ظلال المشانق: قراءة في دلالات استمرار أحكام الإعدام في إيران وسياقاتها السياسيةShadows-of-the-Gallows-An-Analysis-of-the-Persistence-of-Death-Sentences-in-Iran-and-Its-Political-Contexts
تستمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية في نهجها المثير للجدل حيال استخدام عقوبة الإعدام كأداة قانونية وسياسية، وهو ما تجلى بوضوح في الإعلان الأخير عن تنفيذ الحكم بحق محراب عبد الله زاده. هذا الحدث لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الزمني والاجتماعي الذي تمر به البلاد، خاصة وأنه يرتبط مباشرة بالاحتجاجات الواسعة التي اندلعت بين أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026. إن استعادة مشهد المشانق في الساعات الأولى من الصباح يعكس إصرار السلطة القضائية، ومن ورائها النظام السياسي، على بعث رسائل حازمة مفادها أن الاستقرار الداخلي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، حتى وإن كان الثمن هو حياة مواطنيها. إن قضية عبد الله زاده ليست مجرد ملف جنائي انتهى بتنفيذ العقوبة، بل هي فصل جديد في صراع طويل الأمد بين تطلعات الشارع الذي يطالب بالتغيير وبين هيكلية سلطوية ترى في الحزم القضائي وسيلة وحيدة لضمان استمراريتها وسط أمواج متلاطمة من الأزمات الاقتصادية والسياسية.
عند النظر بعمق في آليات عمل القضاء الإيراني، نجد أن التهم الموجهة للمحتجين، مثل المشاركة في أعمال قتل أو زعزعة الأمن العام، غالباً ما تفتقر في نظر المنظمات الحقوقية الدولية إلى معايير المحاكمة العادلة. إن موقع 'ميزان' التابع للسلطة القضائية يحرص دائماً على التأكيد بأن الإجراءات تمت وفقاً للقانون، لكن تحليلنا لهذه العملية يكشف عن فجوة كبيرة بين 'النص القانوني' و'الواقع السياسي'. فالسرعة التي تُنفذ بها هذه الأحكام، والظروف المحيطة بالاعترافات التي يراها الكثيرون منتزعة تحت ضغط معنوي أو مادي، تضع شرعية هذه الأحكام في مأزق أخلاقي وقانوني. إن الدولة هنا لا تمارس العدالة بمفهومها التصالحي أو الإصلاحي، بل تمارس 'عدالة انتقامية' تهدف إلى ردع كل من يفكر في الانخراط في حراك شعبي مستقبلي، محولةً بذلك منصات الإعدام إلى أدوات لتثبيت السلم الأهلي القسري عوضاً عن تحقيق العدالة الحقيقية للضحايا والمجتمع على حد سواء.
من الناحية السوسيولوجية، يترك تنفيذ الإعدام بحق شاب مثل محراب عبد الله زاده أثراً عميقاً ومزدوجاً في وجدان الشعب الإيراني. فمن جهة، قد ينجح النظام في زرع الخوف المؤقت لدى شريحة معينة، لكنه في المقابل يغذي مشاعر الغبن والاحتقان لدى جيل الشباب الذي يشعر بانفصال تام عن منظومة القيم التي يتبناها الحرس القديم. إن هذه الإعدامات تحول 'الجناة' في نظر السلطة إلى 'شهداء' في نظر جزء كبير من المعارضة والشارع، مما يخلق هوية نضالية جديدة تقتات على تضحيات هؤلاء الأفراد. إن المجتمع الإيراني اليوم يمر بمرحلة من التحول الجذري، حيث لم تعد الخطابات التقليدية أو التلويح بالعقوبات القاسية كافية لإقناع الأجيال الجديدة بجدوى المسارات الحالية. وبالتأكيد، فإن استمرار هذه الممارسات يزيد من اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويجعل من المصالحة الوطنية هدفاً بعيد المنال في ظل استمرار سياسة 'الحبل والمشنقة'.
على الصعيد الدولي، تضع هذه الإعدامات إيران في مواجهة مستمرة مع المجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة، مما يزيد من عزلتها الدبلوماسية. ففي الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو إلغاء عقوبة الإعدام أو على الأقل تجميدها، تصر طهران على أن هذه الأحكام هي شأن داخلي وسيادي وقائم على الشريعة. ومع ذلك، يرى المحللون أن استخدام الإعدام في قضايا مرتبطة بالاحتجاجات هو بمثابة تحدٍ صارخ للضغوط الغربية، ورسالة مفادها أن النظام لن يقدم تنازلات في ملف حقوق الإنسان مقابل مكاسب سياسية أو اقتصادية. إن هذه السياسة تضعف من موقف إيران في المفاوضات الدولية وتصم سجلها الحقوقي بوصمة يصعب محوها، مما يعقد من فرص اندماجها في المنظومة العالمية. ومن وجهة نظري، فإن هذا الإصرار على التصعيد يعكس عقلية 'الحصار' التي يعيشها النظام، حيث يشعر بأن أي تراجع في الداخل سيؤدي بالضرورة إلى انهيار الهيبة الخارجية، وهو رهان محفوف بالمخاطر في ظل ظروف إقليمية ودولية متقلبة.
في الختام، يمثل إعدام محراب عبد الله زاده صرخة مدوية في فضاء يعاني من صمت قسري، وهي حلقة في سلسلة طويلة من المواجهات بين السلطة والحراك الشعبي. إن التحليل الموضوعي يقودنا إلى استنتاج مفاده أن القوة الخشنة، وإن نجحت في إخماد النيران فوق الرماد، فإنها تعجز عن إطفاء الجمر المتقد في الصدور. إن العدالة الحقيقية لا تبنى على أنقاض أرواح تُزهق في غبش الفجر، بل تبنى على الحوار، والشفافية، واحترام كرامة الإنسان. إن استمرار إيران في تنفيذ هذه الأحكام قد يحقق استقراراً هشاً على المدى القصير، لكنه يؤسس لانفجارات مجتمعية قد تكون أكثر عنفاً في المستقبل. إن العبرة التاريخية تخبرنا دائماً بأن الدول التي تستند في شرعيتها إلى المشانق، غالباً ما تجد نفسها في صراع مرير مع التاريخ الذي لا يرحم. ويبقى السؤال المعلق في أفق طهران: إلى متى سيظل الحوار بين السلطة والشعب يمر عبر حبال المشانق؟