دركي الصرف في مواجهة ذكاء الشركات: هل اقتربت نهاية عصر 'تهريب' الأرباح بطرق ملتوية؟Transfer-pricing-police-vs-corporate-intelligence-is-the-era-of-profit-shifting-nearing-its-end
لطالما اعتبر مكتب الصرف في المغرب صمام الأمان الذي يحمي الاحتياطات الوطنية من العملة الصعبة، ولكن في ظل التحولات الاقتصادية الرقمية المتسارعة، باتت أساليب التلاعب المالي تأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً تتجاوز مجرد إخفاء الأموال في حقائب. اليوم، يبرز مصطلح 'دركي الصرف' كقوة رقابية تحاول فك شفرات العمليات المحاسبية المعقدة التي تلجأ إليها بعض الشركات المصدرة للالتفاف على القوانين المنظمة لإعادة توطين الأرباح. إن التحرك الأخير الذي قاده المكتب بتنسيق وثيق مع إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة يمثل نقطة تحول جوهرية في استراتيجية الرقابة المالية المغربية؛ إذ لم يعد الأمر يقتصر على مراجعة الأوراق الرسمية فحسب، بل امتد ليشمل تدقيقاً عميقاً في القيمة الحقيقية للسلع والخدمات المصدرة ومقارنتها بالتدفقات المالية التي تدخل الخزينة الوطنية. هذا الاستنفار الرقابي يعكس وعياً متزايداً بأن استقرار الدرهم وقوة الميزان التجاري لا يعتمدان فقط على حجم الصادرات، بل على مدى التزام الشركات بإعادة تلك 'الثمار المالية' إلى أرض الوطن لدفع عجلة التنمية المحلية عوضاً عن ركنها في حسابات خارجية لا يستفيد منها الاقتصاد الوطني.
من الناحية التقنية، يبدو أن الشركات المستهدفة قد وقعت في فخ 'الفوارق الحسابية' التي كشفتها تقنيات التقاطع المعلوماتي (Cross-checking) بين مختلف المصالح الإدارية. فعندما تُظهر الوثائق الجمركية تصدير سلع بقيمة سوقية معينة، ثم تكشف السجلات البنكية والمحاسبية عن دخول مبالغ أقل بكثير تحت ذرائع مختلفة مثل 'عمولات الوساطة' أو 'تكاليف التسويق الدولية'، يتدخل مكتب الصرف لفك هذا اللغز. التحقيق الحالي يركز بشكل أساسي على ما يُعرف في الأدبيات المالية بـ 'التسعير التحويلي' غير القانوني، حيث تعمد بعض الشركات إلى بيع منتجاتها لشركات تابعة لها في الخارج بأسعار مخفضة جداً، ليعاد بيعها في السوق الدولية بالسعر الحقيقي، وبذلك يظل الفارق الربحي الأكبر مستقراً في حسابات أجنبية بعيداً عن أعين الرقابة المغربية. هذا النوع من 'النزيف المالي الصامت' هو ما يحاول دركي الصرف وقفه اليوم عبر طلب وثائق محاسبية إضافية وتدقيق القوائم المالية، ليس فقط لفرض غرامات، بل لتصحيح المسار الضريبي والمالي لقطاع الصادرات الذي يعد ركيزة أساسية في النموذج التنموي الجديد.
بالنظر إلى الأبعاد الاقتصادية والسياسية لهذه الخطوة، نجد أن التوقيت يحمل دلالات هامة؛ فالمغرب يمر بمرحلة تتسم بتحديات جيوسياسية واقتصادية تفرض عليه الحفاظ على كل سنت من العملة الصعبة لتمويل مشاريع البنية التحتية ومواجهة تقلبات أسعار الطاقة العالمية. من وجهة نظري الشخصية، فإن استمرار بعض الشركات في نهج سياسة 'الهروب بالأرباح' يعكس نوعاً من الانفصام في المواطنة الاقتصادية؛ ففي الوقت الذي تستفيد فيه هذه الشركات من دعم الدولة، والبنية التحتية، والاتفاقيات التجارية التي يوقعها المغرب، تجدها تتهرب من أبسط التزاماتها وهو ضخ عوائدها في الدورة الاقتصادية الوطنية. إن هذا السلوك لا يضر فقط بالاحتياطي النقدي، بل يخلق حالة من انعدام التكافؤ في الفرص بين الشركات الملتزمة التي تساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي، وبين شركات تبحث عن الربح السريع والمؤمن في ملاذات ضريبية أو حسابات خارجية، مما يحتم على السلطات الضرب بيد من حديد لضمان سيادة القانون المالي على الجميع دون استثناء.
ومع ذلك، يجب أن ننظر إلى الطرف الآخر من المعادلة؛ فتشديد الرقابة المحاسبية من قبل 'دركي الصرف' قد يثير مخاوف بعض المستثمرين الصادقين بشأن 'البيروقراطية الرقابية' التي قد تعيق سرعة المعاملات التجارية. وهنا تكمن التحدي الأكبر أمام مكتب الصرف: كيف يمكن الموازنة بين الرقابة الصارمة وبين تشجيع مناخ الأعمال؟ التحليل الموضوعي يشير إلى أن الشركات التي تعتمد الشفافية في معاملاتها لا ينبغي أن تخشى هذه المراجعات، بل يجب أن تنظر إليها كضمانة لاستقرار السوق وحمايته من المضاربين. إن مطالبة الشركات بوثائق محاسبية إضافية هو إجراء وقائي يهدف إلى رصد 'الثقوب السوداء' التي يتدفق منها الرأسمال الوطني نحو الخارج بطرق غير شرعية. ومن الضروري أن يترافق هذا التحقيق مع تحديث شامل للمساطر الإدارية، بحيث يتم تفعيل الرقابة الرقمية الآنية التي تمنع التلاعب منذ البداية، بدلاً من الانتظار حتى وقوع المخالفة وبدء مسار التحقيقات المعقدة والمطولة التي قد تستنزف موارد الإدارة والشركات على حد سواء.
في الختام، يمثل تحرك مكتب الصرف ضد تحويل أرباح الصادرات إلى الخارج خطوة شجاعة وضرورية لترسيخ الشفافية المالية في المغرب. إنها رسالة واضحة لكل من يعتقد أن الاقتصاد الوطني هو مجرد قنطرة لتحقيق الثراء وتهريب المقدرات، ومفادها أن 'دركي الصرف' بات يمتلك الأدوات والذكاء المؤسساتي اللازم لملاحقة كل درهم يخرج عن مساره القانوني. إن معركة حماية العملة الصعبة هي معركة وجودية للاستقرار المالي، والنجاح فيها يتطلب تضافر جهود الجميع، من إدارات عمومية وقطاع بنكي وشركات مواطنة. نأمل أن تؤدي هذه التحقيقات ليس فقط إلى استرجاع الأموال المستحقة، بل إلى إرساء ثقافة جديدة في عالم الأعمال المغربي تقوم على مبدأ 'الربح من أجل الوطن'، حيث يكون نجاح الشركة وتوسعها الدولي مرادفاً لتعزيز القوة المالية للبلاد، بعيداً عن حسابات الظل ومناورات التهرب التي لم يعد لها مكان في مغرب يسعى بخطى ثابتة نحو التموقع كقوة اقتصادية إقليمية رائدة.