قطار الوداد يعبر محطة بني ملال بثبات: قراءة في تأهل الأحمر لثمن نهائي كأس العرشWydad-train-crosses-Beni-Mellal-steadily-analysis-of-Reds-qualification-for-Throne-Cup-round-of-16
تعتبر بطولة كأس العرش المغربية، أو كما يحلو لعشاقها تسميتها بـ "الكأس الفضية"، واحدة من أكثر المسابقات إثارة وجذباً للأنظار في المشهد الرياضي الوطني، فهي المسابقة التي لا تعترف بالفوارق الطبقية بين الأندية، وتفتح ذراعيها دائماً للمفاجآت المدوية. وفي هذا السياق، استقبل مركب محمد الخامس بالدار البيضاء مواجهة كروية حبست الأنفاس بين العملاق البيضاوي، نادي الوداد الرياضي، وطموح فريق رجاء بني ملال القادم من القسم الثاني برغبة جامحة في إحداث زلزال كروي. لم تكن المباراة مجرد محطة عابرة في دور الـ32، بل كانت اختباراً حقيقياً لمدى جاهزية "القلعة الحمراء" للمنافسة على الألقاب هذا الموسم، وقدرة "فارس عين أسردون" على الصمود أمام إعصار الهجمات الودادية. ومنذ الصافرة الأولى، خيمت أجواء الحذر والترقب على أرجاء الملعب، حيث حاول كل طرف فرض إيقاعه الخاص؛ الوداد بأسلوبه المعتمد على الاستحواذ والبناء المنظم من الخلف، ورجاء بني ملال بتكتله الدفاعي المتين واعتماده على الهجمات المرتدة السريعة التي كادت في أكثر من مناسبة أن تباغت الحارس الودادي، مما جعل الشوط الأول لوحة تكتيكية معقدة غاب فيها الحسم وحضر فيها الصراع البدني القوي.
بالتعمق في التحليل الفني لمجريات اللقاء، نجد أن الوداد الرياضي أظهر نضجاً كبيراً في التعامل مع ضغط مباريات الكأس التي غالباً ما تلعب على تفاصيل صغيرة جداً. فوز الوداد بنتيجة هدفين دون رد لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتاج عمل جماعي وتغييرات تكتيكية ذكية أجراها الطاقم التقني خلال مجريات اللعب. في الشوط الأول، بدا واضحاً أن رجاء بني ملال دخل المباراة بخطة دفاعية محكمة تهدف إلى سد الثغرات وتضييق المساحات على أجنحة الوداد السريعة، وهو ما نجح فيه إلى حد كبير، حيث انتهى النصف الأول من اللقاء بتبادل للمحاولات دون هز للشباك. إلا أن الشوط الثاني شهد تحولاً جذرياً في الأداء الودادي، حيث ارتفع نسق اللعب وزاد الضغط العالي على حامل الكرة في مناطق الفريق الملالي. هذا الضغط أدى بالضرورة إلى ارتكاب أخطاء في التمركز الدفاعي، استغلها لاعبو الوداد ببراعة فائقة لترجمة السيطرة الميدانية إلى أهداف حاسمة. وجهة نظري الشخصية تشير إلى أن الخبرة الإفريقية والمحلية التي تراكمت لدى لاعبي الوداد هي التي حسمت الموقف؛ فالقدرة على الحفاظ على الهدوء في اللحظات الحرجة وانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض هي سمة الفرق الكبرى التي تطمح لمنصات التتويج.
من جانب آخر، يجب أن نرفع القبعة لفريق رجاء بني ملال الذي لم يكن لقمة صائغة، بل قدم أداءً رجولياً يثبت أن الهوة بين القسمين الأول والثاني في كرة القدم المغربية بدأت تتقلص بشكل ملحوظ بفضل تطور العمل القاعدي والتحضير البدني. فريق مدينة بني ملال أبان عن تنظيم دفاعي يحترم، وكان نداً قوياً في الكثير من فترات المباراة، ولولا نقص التجربة في التعامل مع الكرات الثابتة أو الهجمات الخاطفة في الدقائق الأخيرة، لربما تغير مجرى اللقاء. إن هذه المباراة تعيد إلى الأذهان فلسفة كأس العرش التي تمنح الأمل للصغار لمقارعة الكبار، وتعطينا مؤشراً واضحاً على أن الوداد، رغم فوزه، يجب أن يراجع بعض الهفوات الدفاعية التي ظهرت في الشوط الأول، خاصة عند مواجهة فرق تعتمد على السرعة في التحول. بالنسبة للوداد، هذا التأهل هو بمثابة جرعة ثقة إضافية، خاصة وأن الجماهير الودادية لا ترضى بغير الذهب بديلاً، وتعتبر الكأس الفضية لقباً غاب عن خزائن النادي لفترة لا تتماشى مع حجم وتاريخ هذا الكيان العظيم، مما يضع ضغطاً إيجابياً على اللاعبين لمواصلة المشوار بنفس القوة والتركيز.
تحليلي للمباراة يقودني أيضاً إلى الحديث عن الدور المحوري الذي لعبه خط وسط الميدان في ترجيح كفة الوداد؛ ففي مثل هذه المباريات المغلقة، يكون التحكم في الدائرة المركزية هو المفتاح لفتح مغاليق الدفاعات الحصينة. استطاع لاعبو الوداد استعادة الكرات الضائعة بسرعة (Gegenpressing)، مما منع لاعبي رجاء بني ملال من بناء هجمات منظمة أو حتى التقاط الأنفاس. كما أن التنوع في الحلول الهجومية، بين الاختراق من العمق والاعتماد على العرضيات المتقنة، جعل دفاع بني ملال في حالة استنفار دائم. ومن وجهة نظر نقدية، أرى أن الفعالية الهجومية للوداد بدأت تستعيد بريقها، وهو أمر حيوي جداً مع اقتراب الأدوار النهائية لبطولة الكأس واستمرار المنافسة في الدوري الاحترافي. الفوز بنتيجة 2-0 في مركب محمد الخامس هو نتيجة منطقية تعكس الفوارق الفنية، لكنها في الوقت ذاته تحمل رسائل تحذيرية للمنافسين القادمين بأن الوداد استعاد "غريزة القتل" الكروية، وأنه لن يتنازل بسهولة عن حلمه في معانقة الكأس الغالية هذا الموسم، خاصة مع الدعم الجماهيري المنقطع النظير الذي يرافق الفريق في كل رحلاته.
في الختام، يمكن القول إن تأهل الوداد الرياضي إلى ثمن نهائي كأس العرش على حساب رجاء بني ملال هو انتصار للمنطق وللعزيمة الحمراء التي لا تلين. لقد كانت مباراة مليئة بالدروس والعبر لكلتا المدرستين؛ فمن جهة تأكدت قوة الشخصية الودادية وقدرتها على حسم المباريات الصعبة، ومن جهة أخرى أثبت رجاء بني ملال أن العزيمة والطموح يمكنهما إحراج أكبر الأندية. إن المشوار نحو المنصة لا يزال طويلاً وشاقاً، فالأدوار القادمة ستشهد مواجهات أكثر تعقيداً ضد فرق متمرسة في "مباريات خروج المغلوب". ومع ذلك، فإن هذه البداية القوية في الكأس تعطي الانطباع بأن الوداد يسير في الطريق الصحيح نحو استعادة هيبته في هذه المسابقة التاريخية. ننتظر بشوق ما ستسفر عنه القرعة والمواجهات القادمة، لكن الأكيد أن "الأحمر" قد وضع أولى خطواته بثبات في رحلة البحث عن المجد الفضي، واعداً جماهيره بموسم قد يكون استثنائياً بكل المقاييس الكروية، حيث يبقى الهدف الأسمى هو رفع الكأس عالياً في سماء الرباط، معلناً عن عودة الوداد لعرشه المفقود.