ما وراء الحدود: لماذا يعاني إعلام الدولة في مصر وأوروبا من أزمة هوية مشتركة؟El-Messilmani-from-Prague-Challenges-of-state-media-in-Egypt-and-Europe-are-similar

ما وراء الحدود: لماذا يعاني إعلام الدولة في مصر وأوروبا من أزمة هوية مشتركة؟


في مشهد إعلامي عالمي يضج بالتحولات الجذرية، جاءت تصريحات الكاتب أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، من قلب العاصمة التشيكية براغ لتفتح الباب أمام نقاش استراتيجي يتجاوز الحدود الجغرافية. إن الربط بين التحديات التي يواجهها إعلام الخدمة العامة في مصر وتلك التي تعاني منها المؤسسات الإعلامية في أوروبا ليس مجرد مصادفة، بل هو انعكاس لحقيقة أن التكنولوجيا قد فرضت واقعاً جديداً يضع المؤسسات التقليدية في مواجهة وجودية مع المتلقي. لقد سلط المسلماني الضوء، من خلال منصة اتحاد الإذاعات الأوروبية، على أن الأزمات لا تعرف جنسية، وأن البحث عن "النموذج الأمثل" للإعلام الحكومي الذي يوازن بين الرسالة الوطنية والجاذبية التنافسية هو هاجس مشترك يجمع الغرب بالشرق تحت سقف واحد من التحديات.

تتجلى التحديات الأربعة التي أشار إليها المسلماني في سياق تقني وسياسي معقد، يبدأ أولاً بـ "فجوة الثقة" التي تزايدت في ظل انتشار المعلومات المضللة، حيث أصبح المشاهد يبحث عن بدائل غير رسمية ظناً منه أنها أكثر استقلالية. ثانياً، تبرز معضلة التمويل والاستدامة، فبينما يعاني الإعلام الأوروبي من تراجع الدعم الحكومي أو صعوبة فرض رسوم الترخيص، يواجه الإعلام المصري تحدي الحفاظ على الجودة في ظل اقتصاديات السوق الرقمية. أما التحدي الثالث فهو التغير في أنماط الاستهلاك، حيث هجر الجمهور شاشات التلفزيون التقليدية لصالح تطبيقات الهواتف الذكية، بينما يتمثل التحدي الرابع في صعوبة الموازنة بين الخطاب الوطني العام ومتطلبات الترفيه الجذاب، وهو ما يضع إعلام الخدمة العامة في مأزق دائم بين الجدية المفرطة وبين فقدان المتابعين.

من وجهة نظري كمتخصص ومراقب للمشهد الإعلامي، أرى أن الأزمة ليست تقنية فقط، بل هي أزمة "تحديث ذهني". إن الإعلام الحكومي، سواء في القاهرة أو في عواصم أوروبية، غالباً ما يتسم بالبطء في اتخاذ القرار بالمقارنة مع سرعة الفضاء السيبراني. وجهة نظري هي أن الإعلام العام يحتاج إلى استراتيجية "الاستقلال المرن"؛ بمعنى أن تحافظ المؤسسة على هويتها الوطنية، ولكن في الوقت ذاته تمنح للمبدعين والمواهب الشابة مساحة كاملة للتحرك بعيداً عن القوالب الجامدة. إن التنافس مع "إنفلونسرز" ووسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن أن يتم عبر تقليد محتواهم، بل عبر تقديم محتوى وثائقي وتحليلي رصين، ولكن بأسلوب بصري وتقني يواكب العصر، وهو ما يفتقده الكثير من مؤسساتنا اليوم.

إن ما يحدث في براغ هو اعتراف ضمني بأن نموذج "تلفزيون الدولة" بوضعه القديم قد انتهى صلاحيته. في أوروبا، تحاول الهيئات الإعلامية التحول إلى منصات رقمية متكاملة لضمان بقائها، وهو طريق يتوجب على الإعلام المصري أن يسلكه بجرأة أكبر. إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل "الخدمة العامة" من عبء مالي أو إداري إلى "منصة تفاعلية" تحظى باحترام الجمهور. وبناءً على ما ذكره المسلماني، فإن التعاون الدولي وتبادل الخبرات بين دول البحر المتوسط وأوروبا قد يكون هو طوق النجاة لتطوير خوارزميات إعلامية وطنية لا تكتفي بتقديم الخبر، بل تصنع وعياً مجتمعياً يواجه التزييف والتطرف.

ختاماً، إن تصريحات المسلماني تمثل جرس إنذار لتطوير الإعلام العام ليصبح صوتاً للعصر لا صدى للماضي. إن نجاح إعلام الخدمة العامة يعتمد على قدرته على التماهي مع تطلعات الأجيال الجديدة دون التضحية بالقيم المهنية التي يفتقر إليها المحتوى السريع والسطحي. إننا أمام فرصة ذهبية لإعادة هيكلة الإعلام الحكومي ليصبح محركاً للتنوير ومصدراً موثوقاً في زمن السيولة المعلوماتية، بشرط أن تمتلك القيادات الإعلامية الشجاعة الكافية لتبني سياسات الانفتاح وتكنولوجيا المستقبل، فالعالم يتغير بسرعة، ومن يبقى ثابتاً في مكانه يفقد تأثيره حتماً.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url