الكونغو الديمقراطية: شرارة التعديلات الدستورية تشعل بركان الغضب الشعبيEscalating-Protests-in-DRC-Against-Constitutional-Amendment

الكونغو الديمقراطية: شرارة التعديلات الدستورية تشعل بركان الغضب الشعبي


تتجه أنظار العالم مرة أخرى نحو قلب إفريقيا، حيث تشهد جمهورية الكونغو الديمقراطية فصلاً جديداً من فصول التوتر السياسي، وذلك على إثر اندلاع احتجاجات شعبية واسعة النطاق في العاصمة كينشاسا. لم تكن هذه التوترات مفاجئة تماماً لمن يتابع الشأن الكونغولي، فالبلاد تعيش بالفعل على صفيح ساخن، مثقلة بأزمات متداخلة تتراوح بين الصراعات المسلحة المستمرة في شرقها، وما تخلفه من مآسٍ إنسانية وصحية، إلى تحديات الفقر والحوكمة. لكن هذه المرة، يتجه الغضب الشعبي نحو قضية جوهرية تمس صميم مستقبل الدولة: التعديلات الدستورية المقترحة. إن التجمعات الغاضبة أمام مقر البرلمان ليست مجرد تعبير عابر عن السخط، بل هي صرخة مدوية تحذر من المساس بالأسس الديمقراطية الهشة، وتكشف عن مخاوف عميقة من انزلاق البلاد نحو مزيد من عدم الاستقرار. إنها لحظة فارقة قد تحدد مسار الكونغو الديمقراطية لعقود قادمة، وتضع صانعي القرار أمام مفترق طرق حاسم: الاستماع إلى صوت الشعب أم المخاطرة بإشعال فتيل أزمة أوسع نطاقاً.

تكمن جذور هذه الاحتجاجات في الاقتناع السائد لدى قطاعات واسعة من المجتمع الكونغولي بأن التعديلات الدستورية المقترحة لا تهدف إلى تحسين الحكم أو تعزيز الديمقراطية، بل هي محاولة صريحة لترسيخ السلطة وتمديد نفوذ فئة معينة، أو حتى تمهيد الطريق لتغييرات قد تسمح بتمديد الفترات الرئاسية، وهو ما شهدته دول إفريقية أخرى مراراً. تتعدد أوجه القلق من هذه التعديلات؛ فقد تمس بنوداً حساسة تتعلق بالفصل بين السلطات، أو استقلالية القضاء، أو حتى آليات الانتخابات، مما يفتح الباب أمام التلاعب بالعملية الديمقراطية. المتظاهرون، ومعظمهم من الشباب ونشطاء المجتمع المدني، يرون في الدستور الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه، ودرع الأمة الذي يحمي حقوقها وحرياتها. إنهم يدركون جيداً أن التلاعب بالوثيقة الأساسية للدولة يمكن أن يقوض أية آمال في بناء دولة المؤسسات والقانون، ويعيد البلاد إلى مربع الصراعات السياسية التي أطالت من معاناتها. هذا التجمع أمام البرلمان، في قلب العاصمة كينشاسا، هو بمثابة إعلان واضح وصريح بأن الشعب الكونغولي لن يقبل المساس بمستقبله السياسي بهذه السهولة.

لا يمكن فصل هذه التوترات السياسية الجديدة عن السياق الأوسع الذي تعيشه الكونغو الديمقراطية. ففي شرق البلاد، تستمر دوامة العنف بلا هوادة، حيث تتصارع عشرات الجماعات المسلحة وتتسبب في نزوح الملايين وتفاقم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. ومع كل يوم يمر، تتراكم التقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان وتتزايد أعداد الضحايا، بينما تكافح الحكومة بشتى الطرق لاستعادة الأمن والاستقرار. كما أن البلاد لم تتعافَ بعد من تحديات صحية متكررة، أبرزها الأوبئة التي تضرب مناطق مختلفة، لتضيف عبئاً آخر على كاهل الدولة والمواطنين. في ظل هذه الظروف المعقدة، يبدو أن طرح تعديلات دستورية مثيرة للجدل هو بمثابة صب الزيت على النار، إذ يحول الانتباه والموارد التي يجب أن تركز على حل الأزمات الملحة إلى صراع سياسي داخلي. هذه الاحتجاجات لا تهدد فقط الاستقرار السياسي في العاصمة، بل تبعث برسالة خطيرة مفادها أن النخبة السياسية قد تكون بعيدة عن نبض الشارع وهمومه الحقيقية، مما قد يؤجج مشاعر الإحباط واليأس في مختلف أنحاء البلاد.

من وجهة نظري، فإن محاولة تمرير تعديلات دستورية في ظل بيئة سياسية واجتماعية متوترة بهذه الدرجة، ودون توافق وطني حقيقي، تعد مقامرة خطيرة بمستقبل الكونغو الديمقراطية. إن الدساتير ليست مجرد نصوص قانونية جافة، بل هي عقد اجتماعي بين الدولة والمواطنين، وتعبر عن القيم والمبادئ التي يتوافق عليها الجميع. عندما يُنظر إلى هذه التعديلات على أنها تخدم مصالح ضيقة أو محاولات للبقاء في السلطة، فإنها تفقد شرعيتها الشعبية وتصبح مصدراً للصراع بدلاً من الاستقرار. لقد رأينا مراراً وتكراراً في دول إفريقية مختلفة كيف أدت محاولات التلاعب بالدساتير إلى تأجيج الاضطرابات، وفي بعض الأحيان إلى نزاعات مسلحة. إن احترام الدستور، والالتزام بحدود الولايات الرئاسية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، هي ركائز أساسية لأي نظام ديمقراطي مستدام. تجاهل هذه المبادئ في الكونغو الديمقراطية، التي لا تزال في طور بناء مؤسساتها الديمقراطية بعد عقود من الصراعات، سيعمق من الانقسامات ويقوض الثقة في العملية السياسية برمتها. يجب على القيادة السياسية أن تستوعب هذه الرسالة الواضحة من المتظاهرين وتدرك أن مستقبل البلاد يتوقف على قدرتها على الاستجابة بحكمة ومسؤولية.

إن ما تشهده كينشاسا اليوم هو إشارة واضحة إلى أن الشعب الكونغولي لم يعد مستعداً للتنازل عن حقه في تقرير مصيره ومستقبله الديمقراطي. إن أي محاولة لقمع هذه الاحتجاجات أو تجاهل مطالبها قد يؤدي إلى تصعيد لا تحمد عقباه، ويدفع البلاد إلى حافة الهاوية. إن المسار الأمثل يكمن في الحوار الوطني الشامل، الذي يضم كافة الأطراف السياسية وممثلي المجتمع المدني، لمناقشة التعديلات المقترحة بشفافية تامة والتوصل إلى توافق يعكس إرادة الشعب لا إرادة فئة معينة. على المجتمع الدولي أيضاً أن يراقب الوضع عن كثب، وأن يدعو كافة الأطراف إلى ضبط النفس، واحترام حقوق الإنسان، والالتزام بالمبادئ الديمقراطية. إن الكونغو الديمقراطية، بتاريخها الغني ومواردها الهائلة، تستحق أن تنعم بالسلام والاستقرار وأن تبني مستقبلاً ديمقراطياً حقيقياً يخدم مصلحة جميع أبنائها. إن الاختبار الحقيقي لقوة الديمقراطية في الكونغو يكمن في كيفية تعاملها مع هذا التحدي المفصلي، ورهان الشعب الكونغولي هو أن تنتصر إرادته في صون دستوره وحماية حلمه بدولة قوية وعادلة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url