حتى الخيام لم تسلم: صرخة المواصي الأخيرة في وجه آلة الحربIsrael-massacres-displaced-people-in-Gaza-Strip
في قلب المأساة التي تتكشف فصولها يومياً في قطاع غزة، حيث تحولت الحياة إلى صراع مرير من أجل البقاء، تبرز كل حادثة قصف لتكشف عن عمق المأساة الإنسانية التي لا تزال تتفاقم. وفي صباح يوم آخر مثقل بالخوف والألم، امتدت يد الدمار الإسرائيلية لتطال خياماً هشة تؤوي نازحين مدنيين، في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس جنوبي القطاع. هذه المنطقة، التي كان يُنظر إليها – زوراً وبهتاناً – على أنها منطقة آمنة نسبياً أو ملاذ أخير، تحولت إلى مسرح لجريمة مروعة أودت بحياة فلسطينيين اثنين، كان أحدهما فتاة بريئة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها. لم ينجُ الجميع من بطش القصف، فقد أصيب سبعة آخرون بجروح مختلفة، نُقلوا على إثرها إلى مستشفى ناصر في خان يونس الذي بات هو الآخر عنواناً للصمود في وجه الاستهداف المتواصل. هذه الواقعة ليست مجرد خبر عابر في زحمة الأحداث، بل هي شهادة دامغة على استهداف المدنيين العزل وتهديد وجودهم، حتى في أماكن يُفترض أنها بعيدة عن خطوط التماس الأمامية.
تُعد منطقة المواصي، بموقعها الجغرافي، من المناطق التي دعت إسرائيل سكان غزة للنزوح إليها باعتبارها منطقة إنسانية آمنة، وهو ما يضفي على هذا الهجوم بعداً آخر من التناقض والانتهاك الصارخ للقوانين والأعراف الدولية. فكيف لمنظمة دولية أو لدولة تدعو السكان للتوجه إلى منطقة معينة بحجة حمايتهم، أن تستهدفهم بعد ذلك في تلك المنطقة بالذات؟ هذه المفارقة المريرة تسلط الضوء على هشاشة مفهوم “الملاذ الآمن” في ظل الحرب الجارية، وتدفع للتساؤل حول مدى التزام الأطراف بقواعد القانون الدولي الإنساني التي تفرض حماية المدنيين والبنى التحتية المدنية، وتجرم استهداف النازحين الذين هم في أمس الحاجة للحماية. إن استهداف الخيام، وهي رمز للبساطة واللجوء، يعني أن لا مكان في غزة بمنأى عن الخطر، وأن الخوف يلاحق هؤلاء النازحين أينما حلوا، محطماً بذلك أي أمل متبقٍ في إيجاد فسحة أمان حقيقية. هذا يفاقم الأزمة الإنسانية ويعمق جراح النازحين الذين فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، والآن باتوا يفقدون حتى الأمل في عيش آمن.
إن ما حدث في المواصي ليس مجرد حادثة منعزلة، بل يندرج ضمن نمط متكرر ومقلق يستهدف بشكل ممنهج تجمعات المدنيين والنازحين في قطاع غزة. فمنذ بدء العدوان الأخير، شهدنا استهدافاً للمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء التي تديرها الأمم المتحدة، والآن الخيام التي لجأ إليها الفارين من الموت. هذا النمط يشير بوضوح إلى استراتيجية أوسع قد تهدف إلى إشاعة الرعب واليأس بين السكان، ودفعهم نحو هجرة قسرية لا رجعة فيها، أو جعل القطاع غير صالح للحياة. التركيز على استهداف مناطق “آمنة” مزعومة يوحي بأن الهدف يتجاوز الأهداف العسكرية المعلنة، ويصل إلى حد فرض عقاب جماعي على السكان المدنيين. فكيف يمكن تفسير استهداف خيام لا يمكن أن تشكل أي تهديد عسكري، وقتل فتاة بعمر الزهور، سوى أنه عمل يفتقر إلى الإنسانية ويتجاهل أبسط مبادئ الحرب الأخلاقية والقانونية؟ إن هذا العنف الموجه ضد الفئات الأكثر ضعفاً يعكس استخفافاً صارخاً بقيمة الحياة البشرية، ويهدد بتغيير ديموغرافية غزة بشكل لا رجعة فيه.
ككاتب ومراقب لأحداث هذه المأساة المتواصلة، يصعب على المرء استيعاب هذا المستوى من الوحشية والتجاهل الصارخ لأرواح الأبرياء. إن مشهد خيام النازحين التي تتحول إلى ركام، وجثث الأطفال التي تُسحب من تحت الأنقاض، يبعث على غضب لا يمكن وصفه وشعور عميق بالخزي إزاء صمت العالم. أين هي الأصوات التي تدعو لحماية المدنيين؟ أين هي آليات المحاسبة الدولية التي من المفترض أن تضمن عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب؟ إن استمرار هذه الانتهاكات دون ردع حقيقي لا يشجع فقط على مزيد من العنف، بل يقوض أيضاً أسس النظام الدولي القائم على احترام القانون وحقوق الإنسان. يجب على المجتمع الدولي أن يتجاوز مرحلة الإدانات الخجولة والانتقائية، وأن يفرض ضغوطاً حقيقية لوقف هذا العدوان، وتقديم المسؤولين عنه للعدالة، وضمان توفير حماية فعالة للنازحين. فالتغاضي عن هذه الجرائم هو مشاركة فيها، وتجريد الإنسانية من قيمها الجوهرية.
في الختام، ليست حادثة المواصي مجرد رقم آخر يضاف إلى قائمة طويلة من الفظائع في غزة، بل هي نقطة تحول قد تكشف عن المدى الذي يمكن أن يصل إليه الاستهداف الممنهج للحياة المدنية. إن استمرار هذا العنف غير المبرر ضد من يبحثون عن مأوى وطعام وماء، يضع البشرية أمام تحدٍ أخلاقي وقانوني لا يمكن التغاضي عنه. يجب أن تتوقف هذه الدائرة المفرغة من العنف والنزوح والموت، وأن يتم فرض وقف فوري وشامل لإطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية دون قيود، وضمان عودة النازحين إلى ديارهم بأمان وكرامة. لا يمكن بناء سلام حقيقي ودائم على أنقاض الخيام والدماء المسفوكة لضحايا أبرياء. إن العدالة والمساءلة وحماية حقوق الإنسان ليست مجرد شعارات، بل هي ركائز أساسية لأي مستقبل مستقر في المنطقة. صرخة المواصي يجب أن تكون صرخة توقظ الضمائر، وتدفع باتجاه إنهاء هذه المحنة الإنسانية التي طال أمدها.