منى خليل.. حين تنكسر بوصلة الطبيعة تحت نيران الحرب: وداعاً حارسة السلاحفRaed-mourns-Mona-Khalil-The-turtle-guardian-has-passed-but-her-message-still-echoes-on-Lebanons-shores
لقد فُجع العالم البيئي بخبر رحيل أيقونة النضال الأخضر في لبنان، منى خليل، التي لم تكن مجرد ناشطة عادية، بل كانت روحاً تجسدت في حماية الكائنات الضعيفة على سواحل الجنوب اللبناني. إن رحيلها تحت وطأة القصف الإسرائيلي الذي طال منزلها في المنصوري ليس مجرد رقم إضافي في قائمة الضحايا الأبرياء، بل هو اغتيال لرمز من رموز العطاء الإنساني الذي كان يرى في السلاحف البحرية أمانة تستوجب التضحية. لقد تحول منزلها الذي كان مأوىً لهذه المخلوقات المهددة بالانقراض إلى شاهد على همجية العدوان، حيث اختلطت دماء حارسة الطبيعة برمال الشاطئ التي طالما سهرت على حمايتها لسنوات طوال، تاركةً خلفها فراغاً لا يملؤه سوى تذكر قيم التضحية التي عاشت من أجلها.
في تحليلي لهذه الحادثة المأساوية، أرى أن استهداف الناشطين البيئيين يمثل وجهاً أكثر قتامة للحرب، فهو محاولة لمحو الذاكرة الحية للمكان. منى خليل لم تكن تدافع عن رقعة جغرافية فحسب، بل كانت تدافع عن حق الكائنات في العيش بسلام بعيداً عن أطماع البشر وصراعاتهم. إن جريمة قتلها تكشف كيف أن الحروب الحديثة لا تفرق بين سلاح ووردة، ولا بين مقاتل وإنسان كرس حياته لحماية التنوع البيولوجي. هذا الاستهداف يضعنا أمام تساؤل أخلاقي حول مدى تراجع المعايير الإنسانية في وقت الأزمات، حيث أصبح الوجود الجميل، والمتمثل في عملها النبيل، مستهدفاً كما هو مستهدف الحجر والبشر.
إن وجهة نظري تجاه هذا الحدث تنطلق من الإيمان بأن العمل البيئي في مناطق النزاع هو ذروة الشجاعة المدنية. منى خليل علمتنا أن الحب الحقيقي للأرض يتجلى في الفعل لا في القول؛ فقد اختارت البقاء في "المنصوري" رغم المخاطر، وفضلت مرافقة السلاحف في مواسم تعشيشها على النزوح إلى مناطق أكثر أماناً، لأنها كانت تؤمن أن مسؤوليتها تجاه الحياة أسمى من غريزة البقاء الفردي. هذا النوع من التضحية يمنح القضية البيئية بعدها الوجودي، إذ تتحول البيئة من مجرد شعارات خضراء إلى فعل مقاومة يومي ضد الفناء، سواء كان فناءً ناتجاً عن التلوث أو عن آلة الحرب الغاشمة.
إن تأثير غياب منى خليل يتجاوز حدود لبنان، فهو يمثل خسارة لكل المدافعين عن حقوق الحيوان والبيئة في العالم العربي. لقد استطاعت الراحلة أن تحول شاطئ المنصوري إلى مختبر طبيعي وملهم للأجيال، حيث كانت تعلم الأطفال والباحثين معنى الاحترام المتبادل بين الإنسان والحيوان. إن إرثها سيبقى حاضراً في كل بيضة سلحفاة تفقس على تلك الرمال، وفي كل ناشط بيئي سيستلهم من قصة صمودها القدرة على مواصلة المسير. إنني أرى أن الوفاء الحقيقي لذكراها لا يكون بالبكاء عليها، بل بتحويل محميتها ومشاريعها إلى مؤسسة وطنية تحظى بالحماية والتقدير، لتكون منارة دائمة تنير عقول الأجيال القادمة حول أهمية التوازن البيئي.
ختاماً، إن وداع منى خليل هو وداع لضمير بيئي يقظ رفض الصمت أمام الموت. سيبقى ذكرها معلقاً بمدّ وجزر أمواج الجنوب، وستظل قصتها درساً في الإنسانية التي تتجاوز الانقسامات. بينما يطوي الموت صفحة حياتها الفيزيائية، تفتح صفحة الخلود في سجلات المقاومة البيئية، لتذكرنا بأن الأبطال الحقيقيين ليسوا فقط من يحملون السلاح، بل هم الذين يحمون نبض الحياة في أكثر الأماكن خطورة. رحم الله منى خليل، ولتكن ذكراها دافعاً لنا لنكون أكثر التصاقاً بالأرض، وأكثر إخلاصاً لتلك الكائنات التي لا صوت لها إلا أصواتنا، ولا حامي لها إلا عقولنا وقلوبنا المحبة للسلام والطبيعة.