بين مطرقة الأسعار وسندان السياسات: جلسة برلمانية تكشف عن صدع الطاقةRising-Fuel-Prices-Ignite-Parliament-Fierce-Debate-Benali-Opposition
ما أن يشتد لهيب أسعار المحروقات في الأسواق العالمية، حتى تشتعل معه نار الجدل في الساحات الوطنية، ويتحول الهم المعيشي اليومي للمواطن إلى مادة دسمة للمواجهة السياسية. لم تكن جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب ليوم الاثنين حدثاً عابراً، بل كانت أشبه بحلقة مصارعة سياسية حامية الوطيس، انعكست فيها أصوات الشارع الغاضبة من ارتفاع تكاليف الحياة. لم تعد هذه الارتفاعات مجرد أرقام على لوحات محطات الوقود، بل باتت تمثل ثقلاً يضغط على ميزانيات الأسر، ويخنق المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويهدد استقرار قطاعات حيوية كالقطاع الفلاحي وقطاع النقل. في هذه الأجواء المشحونة، وجدت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، نفسها في عين العاصفة، تواجه سيلاً من الانتقادات الموجهة ليس فقط لتدبيرها المباشر لقطاع الطاقة، بل لتوجهات الحكومة بأكملها في مواجهة تحدي أسعار المحروقات. إنها لحظة فارقة تكشف عن عمق الأزمة، وتبرز الهوة بين طموحات المواطنين وواقع السياسات المتاحة، وتؤكد أن مسألة الطاقة ليست مجرد قضية اقتصادية بحتة، بل هي قضية اجتماعية وسياسية بامتياز تمس جوهر استقرار المجتمع واقتصاده.
لم تتوان فرق المعارضة في استغلال هذه الفرصة لتسليط الضوء على ما تعتبره إخفاقات حكومية متتالية في التعامل مع ملف الطاقة المعقد. فقد تجاوزت انتقاداتها مجرد التعبير عن التضامن مع معاناة المواطنين، لتتعمق في تفكيك بنية السياسات المعتمدة، وتضع علامات استفهام كبرى حول مدى نجاعتها. ركزت المعارضة بشكل خاص على غياب رؤية واضحة للحد من تبعية المغرب لتقلبات السوق العالمية، مطالبة بإجراءات فورية وملموسة لحماية القدرة الشرائية المتآكلة. تساءل النواب عن مآل وعود سابقة، وعن سبب عدم تفعيل آليات مرنة لتخفيف الضغط عن المستهلكين، سواء عبر تخفيض الرسوم والضرائب المفروضة على المحروقات، أو عبر إعادة النظر في طريقة تحرير الأسعار التي يعتبرونها قد فاقمت الوضع بدلاً من تحسينه. ولم تكن مصفاة "لاسامير" بمعزل عن هذا الجدل، بل كانت حاضرة بقوة كرمز للفشل في استغلال الأصول الوطنية لضمان استقلالية طاقية نسبية. ووجهت المعارضة اتهامات للحكومة بالتباطؤ في إيجاد حلول جذرية لهذا الملف الشائك، الذي لو تم تدبيره بكفاءة، لأمكن أن يشكل صمام أمان استراتيجياً للمملكة في أوقات الأزمات، ويسهم في توفير مخزون استراتيجي يلبي جزءاً من احتياجات البلاد ويحد من فاتورة الاستيراد الباهظة، التي تستنزف العملة الصعبة وتزيد من الضغوط المالية.
في المقابل، لم تكن الوزيرة ليلى بنعلي مستسلمة للاتهامات، بل خاضت مواجهة دبلوماسية وواقعية، مستخدمة منطق الأرقام والمعطيات الدولية للدفاع عن سياسات الحكومة. لقد ارتكز ردها على تأكيد أن ارتفاع أسعار المحروقات هو ظاهرة عالمية خارجة عن سيطرة أي حكومة منفردة، وأن المغرب ليس استثناءً في هذا السياق المتأزم الذي يتأثر بالصراعات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. كما شددت الوزيرة على أن الحكومة قد اتخذت بالفعل مجموعة من الإجراءات لتخفيف حدة الأزمة، مثل دعم مهنيي النقل، ومواكبة القطاعات الأكثر تضرراً، مشيرة إلى أن هذه التدابير تستهدف تحقيق التوازن بين دعم الفئات المتضررة والحفاظ على التوازنات المالية للدولة، خصوصاً في ظل مشروعها الطموح للتحول الطاقي نحو الطاقات المتجددة. وبخصوص المخزون الاستراتيجي، قدمت الوزيرة تطمينات بأن المملكة تتوفر على مخزون كافٍ يضمن أمن الإمدادات، لكنها لم تدخل في تفاصيل دقيقة، مبررة ذلك بحساسية الموضوع على الصعيد الاستراتيجي. أما ملف "لاسامير"، فقد أكدت الوزيرة أنه ملف قضائي بامتياز، وأن الحكومة لا يمكنها التدخل في مسار الإجراءات القانونية الجارية، وأن أي حل لهذا المعضل يجب أن يمر عبر الأطر القانونية المناسبة، مع الإشارة إلى التداعيات المعقدة للملف على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، والتي تتطلب حكمة وتأني في التعاطي معها بعيداً عن المزايدات السياسية.
إن هذا السجال البرلماني الحاد ليس مجرد تبادل للاتهامات بين الحكومة والمعارضة، بل هو مرآة تعكس تحديات أعمق تواجهها المملكة في مسيرتها التنموية. أولاً، يسلط الضوء على هشاشة الاقتصاد الوطني أمام الصدمات الخارجية، وخاصة تقلبات أسواق الطاقة التي تؤثر مباشرة على القدرة التنافسية للقطاع الصناعي والفلاحي، وتزيد من تكلفة الإنتاج والخدمات، وبالتالي تدفع بمعدلات التضخم نحو الارتفاع. ثانياً، يبرز أهمية الأمن الطاقي كعنصر لا يتجزأ من الأمن القومي، فاعتماد المغرب الكبير على استيراد المحروقات يجعله عرضة لضغوط جيوسياسية واقتصادية، مما يحتم تسريع وتيرة الانتقال الطاقي وتنويع مصادر الطاقة. ثالثاً، يثير الجدل حول "لاسامير" تساؤلات جوهرية حول السيادة الصناعية وقدرة الدولة على حماية أصولها الاستراتيجية وتشغيلها بما يخدم المصلحة الوطنية العليا. فالمصفاة ليست مجرد منشأة صناعية، بل هي ركيزة محتملة لتأمين جزء من احتياجات البلاد من الوقود المكرر، وتوفير فرص عمل، وتقليل فاتورة الاستيراد، وامتلاك أدوات للتحكم في أسعار المواد البترولية محلياً. إن الفشل في إيجاد حل لهذه المعضلة منذ سنوات طويلة يمثل تحدياً هيكلياً يستدعي مراجعة عميقة للاستراتيجيات الاقتصادية والصناعية المتبعة، ويستدعي حلولاً تتجاوز الإطار القضائي البحت لتشمل رؤية استراتيجية واضحة المعالم تضمن عودة المصفاة للعب دورها الحيوي في منظومة الطاقة الوطنية، وتضع حداً لحالة الضبابية التي تحيط بمستقبلها.
في الختام، يمكن القول إن جلسة مجلس النواب لم تكن مجرد ساحة لتفريغ الشحنات السياسية، بل كانت فرصة لتأكيد أن ملف الطاقة يظل في صدارة اهتمامات الرأي العام الوطني، ويستدعي مقاربة شاملة ومتكاملة تتجاوز الردود الظرفية. إن التحديات التي يفرضها غلاء المحروقات وتدبير المخزون الاستراتيجي ومستقبل "لاسامير" تتطلب توافقاً وطنياً بعيداً عن المزايدات الحزبية الضيقة. على الحكومة أن تبدي مرونة أكبر في التعامل مع مطالب المعارضة والمواطنين، وأن تفكر في آليات إضافية لتخفيف العبء عن الأسر والقطاعات الإنتاجية، مع الاستمرار في تنفيذ استراتيجيتها الطاقية طويلة المدى. كما أن على المعارضة مسؤولية تقديم بدائل عملية ومقترحات بناءة، لا تكتفي بالنقد بل تسهم في إيجاد حلول واقعية ومستدامة. المستقبل الطاقي للمغرب يرتكز على دعائم متعددة، منها تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز كفاءة استهلاك الطاقة، والأهم من ذلك كله، إيجاد حلول مستدامة وملائمة لملف "لاسامير" الذي يمثل اليوم أكثر من مجرد مصنع، بل هو عنوان لتحدي السيادة الطاقية. إن نجاح المغرب في مواجهة هذه التحديات سيحدد ليس فقط استقراره الاقتصادي، بل أيضاً قدرته على تحقيق أهدافه التنموية الشاملة في عالم متغير، يزداد فيه الأمن الطاقي تعقيداً وأهمية. يجب أن تتحول هذه المواجهة البرلمانية إلى حوار بناء يرسم ملامح سياسة طاقية وطنية توافقية تضمن الاستقرار والنمو والعدالة الاجتماعية.