قمة القاهرة المحورية: السيسي يستضيف ثلاثي الثقل الإقليمي لرسم مستقبل الشرق الأوسطSisi-meets-Saudi-Turkey-Pakistan-FMs-in-Cairo-for-regional-talks
شهدت العاصمة المصرية القاهرة، اليوم، حدثاً دبلوماسياً لافتاً ومحورياً، استقبل فيه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ثلاث شخصيات وازنة تمثل ثقلاً استراتيجياً وديناميكياً في خريطة العالم الإسلامي والجيوسياسية: سمو الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله آل سعود وزير خارجية المملكة العربية السعودية، والسيد هاكان فيدان وزير خارجية جمهورية تركيا، والسيد محمد إسحاق دار نائب رئيس الوزراء وزير خارجية جمهورية باكستان الإسلامية. هذا الاجتماع، الذي يأتي في ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد والتقلب، لا يمثل مجرد لقاء دبلوماسي روتيني، بل هو إشارة قوية وعميقة إلى توجهات جديدة قد ترسم ملامح التعاون والتنسيق في المنطقة والعالم الإسلامي الأوسع. إن استضافة مصر لهذه القمة المصغرة، بحضور الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، يؤكد على دور القاهرة المحوري كقوة استقرار ومركز ثقل دبلوماسي، ويسلط الضوء على رؤية مصر لضرورة تضافر الجهود الإقليمية لمواجهة التحديات وصياغة مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.
إن المشهد الإقليمي اليوم يتسم بتحديات متعددة الأوجه، تتراوح بين الصراعات المستمرة في مناطق متعددة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، والتغيرات الاقتصادية العالمية، وصولاً إلى تحديات الأمن الغذائي والمائي والطاقة. في هذا السياق، تبرز أهمية اجتماع القاهرة كمنصة لمناقشة هذه التطورات والخروج برؤى مشتركة. فالمملكة العربية السعودية، بقوتها الاقتصادية والدينية ومكانتها القيادية في العالم العربي والإسلامي، تلعب دوراً حاسماً في تحقيق الاستقرار الإقليمي ودفع عجلة التنمية الاقتصادية. وتركيا، بقوتها العسكرية والاقتصادية وموقعها الجيواستراتيجي الذي يربط الشرق بالغرب، تمثل لاعباً لا يمكن إغفاله في أي معادلة إقليمية، مع طموحاتها المتزايدة في توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي. أما باكستان، بقوتها النووية وموقعها الاستراتيجي عند مفترق طرق جنوب آسيا والشرق الأوسط، وعلاقاتها العميقة مع دول الخليج، فتضيف بعداً آخر من العمق الاستراتيجي والتعاون المحتمل، خاصة في مجالات الدفاع والأمن البشري. تجمع هذه الدول الثلاث قواسم مشتركة عديدة، أبرزها عضويتها في منظمة التعاون الإسلامي، ومواجهتها لتحديات مشتركة مثل الإرهاب والتطرف، ورغبتها في تعزيز سيادتها واستقلال قرارها في وجه التحديات الخارجية.
بالنظر إلى كل دولة على حدة، فإن مصالحها المتشابكة والمتقاطعة تعطي هذا الاجتماع بُعداً استراتيجياً خاصاً. فالمملكة العربية السعودية، تحت قيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورؤية 2030، تسعى لتعزيز شراكاتها الاقتصادية وتنويع مصادر دخلها، وتأمين مصالحها الإقليمية والدولية. استراتيجية المملكة الخارجية تشهد تحولات نحو الدبلوماسية النشطة والتهدئة وبناء الجسور، مما يجعلها شريكاً مهماً في أي مبادرة إقليمية تهدف إلى الاستقرار. تركيا، من جانبها، تسعى لتعزيز نفوذها في شرق البحر المتوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى، وتعمل على إقامة توازن بين علاقاتها مع الغرب وبين تطلعاتها الشرقية. اهتمام تركيا بالتعاون الاقتصادي والأمني مع دول المنطقة يتزايد، وقد تجد في هذا اللجمع فرصة لتوسيع دائرة نفوذها الاقتصادي عبر شراكات جديدة. أما باكستان، التي تعاني من تحديات اقتصادية داخلية، فإنها تسعى لتعزيز علاقاتها التجارية والاستثمارية مع الدول الشقيقة والصديقة، خاصة في الشرق الأوسط، وتنظر إلى دول الخليج ومصر كبوابة لتعزيز مكانتها الاقتصادية والدفاعية، وكمصادر للاستثمار والدعم، مع الاستفادة من موقعها كدولة ذات ثقل ديموغرافي وعسكري. هذه التحديات المشتركة والرغبات المتباينة لكن المتكاملة، تشكل أرضية خصبة للتعاون، خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتوحيد المواقف بشأن قضايا إقليمية ودولية حساسة.
إن استضافة مصر لهذه القمة ليست مصادفة، بل هي انعكاس لمكانتها الراسخة كمركز ثقل إقليمي ودولي. فمصر، تحت قيادة الرئيس السيسي، تبنت سياسة خارجية متوازنة وواقعية، تركز على المصالح الوطنية العليا، وتعزيز الأمن القومي، ودعم الاستقرار في محيطها الإقليمي. من خلال هذا الاجتماع، تسعى مصر إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية. أولاً، إعادة تأكيد دورها الريادي كوسيط وميسر للحوار بين القوى الإقليمية، خاصة في أوقات تتزايد فيها الحاجة إلى التنسيق والتفاهم. ثانياً، بناء جبهة إقليمية قوية ومتماسكة لمواجهة التحديات المشتركة، سواء كانت أمنية تتعلق بمكافحة الإرهاب، أو اقتصادية تتعلق بتعزيز التبادل التجاري والاستثمار، أو سياسية تتعلق بتوحيد الصفوف في المحافل الدولية حول قضايا مصيرية مثل القضية الفلسطينية، أو الأزمات في السودان وليبيا وسوريا. ثالثاً، إرسال رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن دول المنطقة قادرة على صياغة حلول لمشاكلها بنفسها، والابتعاد عن الإملاءات الخارجية. كما أن مصر قد تسعى لاستكشاف إمكانيات التعاون الثلاثي أو الرباعي في مشاريع بنية تحتية كبرى، أو مبادرات اقتصادية إقليمية، يمكن أن تستفيد منها هذه الدول مجتمعة، وتفتح آفاقاً جديدة للتنمية المستدامة.
من وجهة نظري، يمثل هذا الاجتماع نقطة تحول محتملة في مسار العلاقات الإقليمية. فبالرغم من التباينات التاريخية أو بعض التنافسات السياسية بين هذه الدول، فإن الحاجة إلى التنسيق والتعاون أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. قد لا يؤدي هذا الاجتماع إلى تشكيل حلف عسكري أو اقتصادي فوري، لكنه بالتأكيد يمهد الطريق لمزيد من التشاور والتنسيق على مستويات مختلفة. إن التقارب بين هذه القوى المحورية في القاهرة يشير إلى رغبة في بناء منظومة إقليمية أكثر استقلالية وتأثيراً، قادرة على حماية مصالحها ومواجهة التحديات المعقدة. قد نشهد في المستقبل تزايداً في الحوارات الثنائية والثلاثية بين هذه الدول، وتوسيعاً لمجالات التعاون لتشمل قضايا تتجاوز الأبعاد الأمنية لتصل إلى التعاون الاقتصادي، والاستثمار المشترك، وتبادل الخبرات التكنولوجية. إن العالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، وفي هذا السياق، فإن تكتل القوى الإقليمية الفاعلة يصبح ضرورة استراتيجية. رسالة القاهرة واضحة: المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من الدبلوماسية الفاعلة، والتحالفات المرنة، والتركيز على المصالح المشتركة، مع مصر كقاطرة لهذه الجهود.