تحول أمريكي في قلب أفريقيا: هل تطفئ واشنطن نار تيغراي أم توقدها من جديد؟US-Pressure-on-Tigray-De-escalation-with-Ethiopia-or-New-Escalation
في تحول دبلوماسي لافت، تتجه بوصلة السياسة الخارجية الأمريكية نحو دعمٍ أكثر وضوحًا لأديس أبابا في مواجهة قيادات جبهة تحرير تيغراي (TPLF)، في إقليم تيغراي الإثيوبي. تأتي هذه الخطوة وسط توترات متصاعدة لم تجد حلاً جذريًا بعد اتفاقية السلام الهشة التي وقعت في بريتوريا. فبعد فترة من الانتقادات الموجهة لكلا الطرفين والتركيز على قضايا حقوق الإنسان والمعونات الإنسانية، يبدو أن واشنطن قد قررت إعادة تقييم استراتيجيتها، متخذةً موقفًا قد يُنظر إليه على أنه انحيازٌ لصالح الحكومة الفيدرالية الإثيوبية. يطرح هذا التوجه تساؤلات حاسمة: هل تمثل هذه الضغوط الأمريكية الجديدة محاولة جادة لتقليل حدة التوتر وإعادة الاستقرار إلى منطقة القرن الأفريقي المضطربة، أم أنها قد تكون شرارة لتصعيد جديد وفتح صفحة أكثر تعقيدًا في صراع دامٍ أثقل كاهل الملايين؟ إن الإجابة على هذا السؤال تتوقف على تفاصيل هذا الدعم وطريقة استقباله من الأطراف المعنية، ومآلاته على ديناميكيات القوة الداخلية والخارجية في المنطقة.
لم يكن الصراع في تيغراي حدثًا عابرًا، بل كارثة إنسانية وسياسية تركت بصماتها العميقة منذ اندلاعه في نوفمبر 2020. فخلال هذه الفترة، شهدت المنطقة أعمال عنف واسعة النطاق، ونزوحًا جماعيًا، وأزمة غذائية خانقة، وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان اتُهمت بها جميع الأطراف. وقد اتسمت السياسة الأمريكية تجاه الأزمة بالتردد في البداية، ثم تبني خطاب يدعو لوقف الأعمال العدائية وفتح ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية، مع فرض عقوبات محدودة على أفراد من كلا الجانبين ممن اعتبروا مسؤولين عن العنف. كانت الإدارة الأمريكية تسعى إلى لعب دور الوسيط المحايد الذي يضغط من أجل حل سلمي شامل يحافظ على وحدة إثيوبيا مع احترام حقوق جميع مكوناتها. لكن يبدو أن هذا النهج لم يحقق النتائج المرجوة بالكامل، فالصراع وإن خفت حدته العسكرية المباشرة بعد اتفاق بريتوريا، إلا أن التوترات السياسية لم تهدأ، وظلت قضية مستقبل تيغراي وعلاقتها بالحكومة المركزية معلقة. هذا الجمود، إلى جانب المصالح الجيوسياسية المتغيرة في القرن الأفريقي الذي يشهد تزايدًا في نفوذ قوى عالمية وإقليمية أخرى، قد يكون أحد الدوافع الرئيسية وراء إعادة تموضع واشنطن في هذه اللحظة الحرجة.
إن ما يعنيه “الدعم الأميركي” لأديس أبابا في هذه المرحلة يمكن أن يأخذ أشكالًا متعددة، بدءًا من الدعم الدبلوماسي العلني في المحافل الدولية، مرورًا بالتعاون الاستخباراتي أو الأمني، وربما وصولًا إلى تجميد أصول أو فرض قيود على سفر شخصيات بارزة في جبهة تحرير تيغراي. من الناحية النظرية، يمكن أن تهدف هذه الخطوة إلى تعزيز موقف الحكومة الفيدرالية في جهودها لبناء دولة موحدة ومستقرة، والضغط على قيادات تيغراي للانخراط بشكل كامل وبناء في العملية السياسية التي تلت اتفاق بريتوريا، والوفاء بالتزاماتهم المتعلقة بنزع السلاح ودمج قواتهم في الجيش الوطني. وفي أفضل السيناريوهات، يمكن أن يساهم هذا الدعم في تسريع عملية إعادة الإعمار، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين في تيغراي، وإعادة بناء جسور الثقة بين المركز والإقليم. إلا أن هذا التوجه يحمل في طياته مخاطر جسيمة. فإذا ما فُسر على أنه انحياز أحادي الجانب، فقد يؤدي إلى تأجيج مشاعر الغضب والاستياء بين سكان تيغراي، الذين قد يشعرون بأن المجتمع الدولي يتخلى عنهم أو يضحي بقضيتهم من أجل مصالح سياسية أوسع. هذا الشعور بالإقصاء يمكن أن يقوض أي جهود للسلام والمصالحة، ويؤدي إلى تصلب المواقف، بل وربما يشجع على عودة المقاومة المسلحة بأشكال جديدة، مما يعيد المنطقة إلى مربع الصراع والعنف الذي طالما عانت منه.
من وجهة نظري، وبالرغم من أن أي خطوة تهدف إلى إرساء الاستقرار في إثيوبيا تستحق الدراسة، فإن النهج الأمريكي الجديد يحمل في طياته مغامرة محسوبة قد تكون عواقبها غير محمودة. إن محاولة ترجيح كفة طرف على آخر في صراع داخلي معقد، خاصة بعد سنوات من الدماء والمعاناة، نادرًا ما يؤدي إلى سلام دائم. السلام الحقيقي في تيغراي وإثيوبيا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال عملية سياسية شاملة وممثلة للجميع، تعالج الأسباب الجذرية للصراع، لا مجرد قمع الأعراض أو دعم قيادة على حساب أخرى. ينبغي على واشنطن، والقوى الدولية الأخرى، أن تدرك أن الاستقرار المستدام يتطلب بناء الثقة بين جميع الأطراف، ومعالجة المظالم التاريخية، وضمان العدالة والمساءلة عن الانتهاكات. إن الانحياز الواضح يمكن أن يقوض دور الولايات المتحدة كوسيط محتمل في المستقبل، ويخلق فراغًا دبلوماسيًا قد تملؤه قوى أخرى ذات أجندات مختلفة. قد يكون هذا التحول مدفوعًا بمحاولة واشنطن استعادة نفوذها في المنطقة أو مكافحة تمدد نفوذ خصومها، لكن ينبغي أن لا يأتي ذلك على حساب مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية التي تدعو إليها أمريكا غالبًا. فالقرن الأفريقي يتطلب دبلوماسية دقيقة ومتوازنة، لا سياسات قد تدفع بالأمور نحو حافة الهاوية.
في الختام، يمثل الضغط الأمريكي الجديد على تيغراي لحظة مفصلية في مسار الصراع الإثيوبي وتفاعلاته الإقليمية والدولية. فهل ستكون واشنطن قد قرأت المشهد بدقة، وتمتلك الأدوات اللازمة لتحويل هذا الضغط إلى عامل بناء نحو حل مستدام، أم أنها ستجد نفسها متورطة في تعقيدات لا تحمد عقباها؟ إن نجاح هذا التوجه يتوقف بشكل كبير على كيفية إدارته، وعلى مدى قدرة الحكومة الفيدرالية الإثيوبية على استثمار هذا الدعم في بناء جسور الثقة مع شعب تيغراي، وتقديم حلول سياسية شاملة ومرضية. أما الفشل، فقد يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ويوقد نيران صراع كان العالم يأمل في أن يخمد. يبقى على المجتمع الدولي أن يراقب عن كثب، وأن يصر على تطبيق معايير العدالة وحقوق الإنسان، وأن يذكر جميع الأطراف بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُفرض بالقوة أو الانحياز، بل يُبنى على التفاهم المشترك والاحترام المتبادل لجميع الشعوب.