فواجع القنوات المائية: حين تتحول رحلة الهروب من الحرارة إلى مأتم في حد بوموسىwater-channel-tragedies-when-escaping-heat-turns-into-a-funeral-in-had-boumoussa
خلف الهدوء الظاهري لجداول المياه المتدفقة في أرياف إقليم الفقيه بن صالح، تكمن قصص مأساوية تتكرر مع كل موسم صيف، وآخرها ما شهدته جماعة حد بوموسى من حادثة أليمة هزت كيان الساكنة المحلية. إن استرجاع جثة يافع لم يتجاوز ربيعه الرابع عشر من عمق قناة مائية ليس مجرد خبر عابر في سجلات الحوادث اليومية، بل هو صرخة صامتة تعكس واقعاً مريراً يعيشه أبناء المناطق القروية. هذا اليافع، الذي كان من المفترض أن يستمتع بعطلته ويحلم بمستقبله الدراسي، انتهى به المطاف ضحية لموجة حرارة مفرطة دفعته للبحث عن نسمة برودة في مكان لم يكن مهيأً أبداً للسباحة. إن الحضور المكثف لرجال الدرك الملكي والسلطات المحلية والوقاية المدنية في مكان الحادث يعكس حجم الاستنفار، لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على فجوة الأمان التي تبتلع أرواح الصغار بعيداً عن أعين الرقابة الكافية، مما يضعنا أمام تساؤلات ملحة حول جدوى الإجراءات الوقائية المتخذة في هذه النقط السوداء.
من منظور تحليلي، نجد أن هذه القنوات المائية التي صُممت أساساً لأغراض زراعية ولسقي مساحات شاسعة من أراضي تادلة، قد تحولت مع مرور الزمن إلى 'مسابح للموت' تستقطب الأطفال والمراهقين الفارين من لهيب الشمس. المشكلة لا تكمن فقط في غياب الوعي بمخاطر هذه المجاري المائية التي تتميز بتيارات قوية وانحدارات حادة تجعل النجاة منها أمراً شبه مستحيل، بل تكمن في الجاذبية القاتلة التي تمارسها هذه المياه على فئة عمرية تفتقر لتقدير المخاطر. إن تكرار هذه المآسي في مناطق مثل حد بوموسى يفرض علينا التفكير في البنية التحتية لهذه القنوات؛ فهل يكفي وضع علامات تشوير تمنع السباحة؟ الجواب بالتأكيد هو لا، لأن الحواجز المادية والأسوار الواقية أصبحت ضرورة قصوى في المناطق القريبة من التجمعات السكنية، لتفادي وقوع كوارث مماثلة تسرق البراءة من أحضان العائلات المكلومة.
بالتعمق في الأسباب السوسيواقتصادية لهذه الظاهرة، نلاحظ نقصاً حاداً في البدائل الترفيهية والمرافق الرياضية والمسابح العمومية في أقاليم مثل الفقيه بن صالح، مما يترك الشباب في مواجهة مباشرة مع الطبيعة القاسية ومخاطرها. إن الشاب الذي فقدناه في حد بوموسى هو ضحية لغياب فضاءات آمنة تحتضن طاقات هؤلاء الصغار وتحميهم من اللجوء إلى حلول بدائية وخطيرة لتبريد أجسادهم. لا يمكننا إلقاء اللوم على الضحايا أو على أسرهم فقط، بل يجب توجيه السهام نحو التخطيط المجالي الذي يغفل في كثير من الأحيان حاجة الناشئة في المناطق شبه الحضرية والقروية إلى مرافق عمومية تضمن لهم حقهم في الترفيه الآمن. إن غياب هذه المنشآت يجعل من كل قناة مائية في نظر المراهق 'شاطئاً مجانياً'، دون أن يدرك أن قاعها قد يكون محطته الأخيرة.
على صعيد آخر، تبرز مسؤولية المؤسسات التعليمية وجمعيات المجتمع المدني في تكثيف حملات التوعية والتحسيس بمخاطر الغرق في القنوات المائية، إذ لا يجب أن ينتهي دور المدرسة عند تسليم الشهادات الدراسية، بل يمتد ليشمل التربية على السلامة والوقاية. إن الحادث الذي وقع مساء الإثنين يستلزم مقاربة تشاركية تجمع بين السلطات الإقليمية والمصالح الفلاحية المسؤولة عن تدبير هذه القنوات، لوضع خطة عمل استباقية قبل حلول كل فصل صيف. يمكن لهذه الخطة أن تشمل دوريات مراقبة مستمرة وتجهيز المناطق الأكثر خطورة بمعدات إنقاذ أولية، بالإضافة إلى استغلال الوسائط الرقمية للتواصل مع جيل الشباب بلغتهم، وتنبيههم إلى أن الموت قد يتنكر في هيئة مياه باردة جارية، وأن لحظة تهور واحدة قد تنهي مسيرة حياة كانت واعدة بالنجاح والتألق.
في ختام هذه التدوينة، يظل انتشال جثة تلميذ من قناة مائية بحد بوموسى جرحاً غائراً في ذاكرة الإقليم، وناقوس خطر يذكرنا بأن الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي أرواح غالية تضيع في غفلة من الزمن. إن العزاء الحقيقي لعائلة هذا الفقيد وللمجتمع ككل هو أن تتحرك الضمائر الحية لصناعة تغيير ملموس على أرض الواقع، يمنع تكرار هذا المشهد الدرامي مستقبلاً. نحتاج إلى رؤية شاملة تجمع بين التوعية، وتوفير البدائل الترفيهية، وتأمين البنيات التحتية المائية، لنضمن أن تكون مياهنا مصدراً للحياة والرخاء الزراعي فقط، وليست مقابر مفتوحة تحصد زهور شبابنا في ريعان العمر. رحم الله الفقيد وألهم ذويه الصبر والسلوان، وأملنا أن تكون هذه الفاجعة هي الأخيرة في سلسلة أحزان قنوات الموت بمناطقنا العزيزة.