رحلة لم تكتمل: ما وراء رحيل هيرفي رونار عن عرين نسور قرطاج
شكل خبر رحيل المدرب الفرنسي هيرفي رونار عن دفة قيادة المنتخب التونسي صدمة للكثير من المتابعين، رغم أن التوقعات كانت تشير إلى إمكانية حدوث ذلك بعد النتائج المخيبة في مونديال أمريكا الشمالية. لم تكن المهمة التي تولاها رونار، صاحب الـ57 عاماً، سوى محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في رحلة زمنية قصيرة، اتسمت بالضغوط العالية والآمال الكبيرة التي اصطدمت بواقع كروي مرير. إن إعلان رونار عبر منصات التواصل الاجتماعي عن طي هذه الصفحة، يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية حول التخبط الذي تعيشه الإدارة الفنية للمنتخبات الوطنية، ومدى جدوى الاعتماد على "المدرب المنقذ" في بطولات كبرى تتطلب خططاً طويلة الأمد واستقراراً فنياً غاب عن المشهد التونسي منذ فترة ليست بالقصيرة.
من وجهة نظري كتحليل فني، أرى أن تجربة رونار مع "نسور قرطاج" كانت محكومة بالفشل منذ البداية، ليس بسبب كفاءة الرجل، فخبرته في القارة السمراء لا غبار عليها، بل لأن الظروف المحيطة بالمنتخب التونسي كانت تفتقر إلى الهيكلية القوية التي تسمح لأي مدرب بفرض أسلوبه. كرة القدم ليست مجرد خطط توضع على السبورة في غرف تبديل الملابس، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من الدوري المحلي وتمر بمدى انسجام اللاعبين والمحترفين بالخارج. رونار حاول زرع عقليته الانتصارية التي عرف بها مع منتخبات أخرى، لكن اصطدامه بضعف الجاهزية البدنية والذهنية للاعبين في التوقيت الحساس للمونديال جعل من مهمته أشبه بحفر بئر في وسط الصحراء دون معدات كافية، مما أدى في النهاية إلى خروج مبكر لا يليق بتاريخ الكرة التونسية.
إن رحيل رونار يضع الاتحاد التونسي لكرة القدم أمام مرآة الحقيقة؛ فسياسة "تغيير المدربين" كمسكنات للأوجاع لم تعد تجدي نفعاً في كرة القدم الحديثة. لقد باتت الكرة التونسية بحاجة إلى ثورة تقنية وإعادة بناء جذرية، بدءاً من الاهتمام بالقواعد السنية ووصولاً إلى تطوير المنظومة الاحترافية التي تمد المنتخب بالمواهب القادرة على مقارعة الكبار في المحافل العالمية. إن تعاقب المدارس التدريبية المختلفة، من الوطني إلى الأوروبي، دون وجود فلسفة لعب واضحة المعالم، ساهم في تشتت هوية المنتخب وجعل الجماهير في حالة من عدم اليقين المستمر. رونار، بذكائه المعهود، أدرك أن الاستمرار في هذه البيئة غير المستقرة قد يسيء إلى مسيرته المهنية الحافلة، ففضل الرحيل بكلمات دبلوماسية ووداعية تليق بمسيرته.
بالنظر إلى تداعيات هذا الانسحاب، يبدو أن المرحلة القادمة ستكون الأصعب في تاريخ المنتخب التونسي المعاصر. هناك فجوة كبيرة بين الجيل الحالي من اللاعبين وتوقعات الشارع الرياضي التونسي، وهي فجوة لا يمكن ردمها بمدرب جديد فحسب، بل تتطلب وقفة تأملية وشجاعة في اتخاذ قرارات إدارية جريئة، قد تشمل استبعاد أسماء كبيرة وتصعيد دماء شابة قادرة على العطاء. إن خسارة رونار ليست خسارة مدرب فحسب، بل هي ضياع لفرصة أخرى كان يمكن استغلالها لتعلم ثقافة الانضباط التكتيكي التي اشتهر بها الرجل، ولكن للأسف، طغت العشوائية في التخطيط على الرؤية الفنية، مما جعل من رحيله أمراً حتمياً لا مفر منه، وربما يكون هو الحل الأمثل لكلا الطرفين للبحث عن بداية جديدة.
ختاماً، إن وداع رونار لتونس يغلق فصلاً قصيراً لكنه مليء بالدروس القاسية. كرة القدم التونسية اليوم تقف عند مفترق طرق حقيقي؛ فإما الاستمرار في دوامة الحلول الترقيعية التي تؤدي إلى خيبات أمل متكررة في المونديالات القادمة، أو التحلي بالشجاعة اللازمة لبناء مشروع كروي وطني طويل الأمد يعيد للمنتخب بريقه ومكانته الطبيعية بين الكبار. إن الاحترام الذي أبداه رونار تجاه التجربة التونسية يجب أن يُقابل باحترام مماثل من المسؤولين للعملية التدريبية ذاتها، وذلك من خلال منح المدرب القادم الأدوات اللازمة والوقت الكافي بعيداً عن ضغوط النتائج الآنية. نتمنى أن تكون هذه المحطة نهاية لمرحلة التخبط وبداية لمسار تصحيحي يضع مصلحة المنتخب فوق كل اعتبار، لتعود نسور قرطاج للتحليق مجدداً في سماء العالمية.