عبء أم فرصة؟ المغرب وترتيبه الخامس عشر عالمياً في تكاليف تشغيل العمالة
في عالم يتسم بالتنافسية الشديدة والبحث الدائم عن البيئات الأكثر جاذبية للاستثمار وتنمية الأعمال، باتت مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال، وتحديداً تلك المتعلقة بظروف تشغيل العمالة، محددات أساسية لاستقطاب رؤوس الأموال وتحفيز النمو. في هذا السياق، جاء تقرير “مؤشر عبء أرباب العمل العالمي لعام 2026” (Global Employer Burden Index) الصادر عن شركة “Employ Borderless” المتخصصة في حلول التوظيف، ليضع المغرب في صلب النقاش، حيث صنف المملكة في المرتبة الخامسة عشرة عالمياً من بين 192 دولة شملها، وذلك من حيث حجم الأعباء المفروضة على أرباب العمل. هذا التصنيف، الذي منح المغرب درجة إجمالية بلغت 75 نقطة من أصل 100، يعكس تقييماً مركباً للجوانب المالية والإجرائية التي يواجهها أصحاب الأعمال، ويستدعي وقفة تحليلية متأنية لفهم تداعياته العميقة على المشهد الاقتصادي الوطني وآفاقه المستقبلية.
إن مفهوم “عبء أرباب العمل” يتجاوز مجرد التكاليف المالية المباشرة، ليشمل حزمة واسعة من الالتزامات التي تقع على عاتق الشركات. فعلى الصعيد المالي، تتضمن هذه الأعباء اشتراكات الضمان الاجتماعي، والضرائب المختلفة المرتبطة بالرواتب والأجور، والمنافع الإلزامية للعاملين، ناهيك عن التكاليف المترتبة على تطبيق الحد الأدنى للأجور وتحديثاته الدورية. أما على الصعيد الإجرائي، فتشمل هذه الأعباء تعقيدات قوانين العمل المتعلقة بالتوظيف والفصل، والإجراءات الإدارية المطولة، وضرورة الامتثال المتزايد للمتطلبات التنظيمية المتغيرة باستمرار. هذه العناصر، مجتمعة، تشكل تحدياً حقيقياً للشركات، خاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة والناشئة التي تفتقر غالباً للموارد الكافية للتعامل مع هذه التعقيدات. وبصفتي محللاً، أرى أن ارتفاع هذه الأعباء قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث قد يدفع بعض الشركات نحو الاقتصاد غير المهيكل لتجنب هذه التكاليف، أو قد يثني المستثمرين الأجانب عن دخول السوق المغربية مفضلين بيئات عمل أكثر مرونة.
إن احتلال المغرب للمرتبة الخامسة عشرة عالمياً في مؤشر عبء أرباب العمل، يعني أن المملكة تصنف ضمن أعلى 15 دولة في العالم من حيث الصعوبة والتكلفة المفروضة على الشركات لتشغيل العمالة. هذا الترتيب، وإن كان يعكس جزئياً مستوى معيناً من حماية حقوق العمال، إلا أنه يثير تساؤلات جدية حول قدرة المغرب التنافسية في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وفي خلق فرص عمل مستدامة، خاصة في ظل سعي المملكة لتنويع اقتصادها وتعزيز مكانتها كبوابة لأفريقيا. فالمستثمرون يبحثون دائماً عن التوازن بين بيئة عمل مستقرة تحمي مصالح الأطراف، وبيئة مرنة تقل فيها الحواجز أمام النمو والتوظيف. إن التكلفة الباهظة للتشغيل قد تعيق قدرة الشركات المغربية على التوسع والابتكار، وتقلل من هامش الربحية، مما ينعكس سلباً على قدرتها على دفع أجور تنافسية أو الاستثمار في التكوين والتكنولوجيا، ويؤثر في النهاية على معدلات البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب.
وفي سياق الإصلاحات الهيكلية التي تعرفها المملكة، والنموذج التنموي الجديد الذي يهدف إلى تعزيز جاذبية الاقتصاد المغربي، فإن هذا التصنيف يستدعي مراجعة شاملة. فالتحديات التي يواجهها المغرب في هذا الصدد قد تكون متأصلة في بطء الإجراءات الإدارية، وتعقيد بعض النصوص القانونية، وربما الفجوة بين تكلفة اليد العاملة وإنتاجيتها الفعلية في بعض القطاعات، بالإضافة إلى التحدي الكبير الذي يمثله الاقتصاد غير المهيكل. ورغم أن المغرب قد خطا خطوات مهمة نحو تبسيط الإجراءات ورقمنتها في مجالات أخرى، إلا أن مجال قوانين العمل والإجراءات المرتبطة بالتوظيف يتطلب المزيد من الجهد. من وجهة نظري، يجب أن تركز الإصلاحات على تحقيق توازن دقيق بين توفير شبكة أمان اجتماعي قوية للعمال، وبين منح الشركات المرونة اللازمة للنمو والابتكار، مع مراعاة خصوصية القطاعات الاقتصادية المختلفة.
لتحسين وضع المغرب في هذا المؤشر، وبالتالي تعزيز بيئة الأعمال، يجب تبني استراتيجية شاملة تتضمن عدة محاور. أولاً، تبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بالتوظيف وإنهاء عقود العمل ورقمنتها بشكل كامل لتقليل الجهد والوقت. ثانياً، مراجعة شاملة لقانون الشغل لجعله أكثر مرونة وتكيفاً مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، مع الحفاظ على المبادئ الأساسية لحماية العمال. ثالثاً، تحفيز الشركات للانتقال من القطاع غير المهيكل إلى القطاع الرسمي من خلال حوافز ضريبية واجتماعية وخدمات دعم للأعمال. رابعاً، الاستثمار في تكوين وتأهيل اليد العاملة لرفع إنتاجيتها وجعلها أكثر قيمة مضافة، مما يبرر التكاليف المترتبة على تشغيلها. أخيراً، يجب فتح حوار بناء ومستمر بين الحكومة والقطاع الخاص والنقابات للتوصل إلى حلول توافقية تخدم مصالح جميع الأطراف. إن الهدف الأسمى هو بناء بيئة أعمال مزدهرة تدعم خلق الثروة وفرص الشغل، وتضمن في الوقت نفسه كرامة العمال واستقرارهم، وهو ما يتطلب رؤية استراتيجية والتزاماً طويل الأمد.