لحظة تنفس عميق: القنيطري ينجو من دوامة الهبوط، فهل يتعلم الدرس؟
في مساءٍ امتزجت فيه الترقب بالتوتر، ثم الفرحة العارمة، نجح النادي القنيطري، أحد أعمدة كرة القدم المغربية التاريخية، في انتزاع بقائه ضمن أندية القسم الثاني للبطولة الوطنية الاحترافية. لم يكن هذا الانتصار مجرد فوز عادي في مباراة كرة قدم، بل كان بمثابة شهقة حياة أخيره لنادٍ عريق كاد أن يغرق في دوامة الهبوط إلى الأقسام الشرفية، التي لا تليق بتاريخه العريض وشعبية جماهيره الوفية. الفوز على الجمعية الرياضية المنصورية بهدفين نظيفين، في إياب مباراة السد الحاسمة التي احتضنها ملعب العبدي بالجديدة، لم يؤمن فقط استمرارية "الكاك" في قسم المظاليم، بل ألقى بظلاله على موسمٍ كاملٍ من الصراعات والعثرات التي وضعت الفريق في هذا الموقف الحرج. لقد كانت لحظات عصيبة مرت على كل غيور على النادي، قبل أن يأتي أمجد سبيل وعصام ناجي بهدفين متتاليين في ظرف خمس دقائق ليمنحا جماهير القنيطرة جرعة أمل كبيرة ويؤجلا حلم العودة إلى الصفوة لموسم آخر، مع الحفاظ على بصيص الأمل في المستقبل.
الرحلة إلى مباراة السد هذه لم تكن مفروشة بالورود. لقد كان موسمًا مليئًا بالتحديات، تخللته فترات من التذبذب في الأداء، وتغييرات إدارية وفنية، إضافة إلى مشاكل هيكلية ومالية تضرب أطناب النادي منذ سنوات عديدة. هذا الوضع المتأزم هو ما دفع فريقًا بحجم النادي القنيطري، الذي يحمل في جيناته لقب البطولة الوطنية، إلى الدخول في معركة "سد" مصيرية لتحديد بقائه. مباراة الذهاب، التي أقيمت على أرضية ملعب البشير بالمحمدية، لم تسفر عن حسم للمواجهة، مما زاد من حدة التوتر والضغط على اللاعبين والإدارة والجماهير على حد سواء قبل موقعة الإياب. ولكن في مباراة العودة، بدا أن هناك إصرارًا مختلفًا. بعد شوط أول حذر لم يشهد أهدافًا، انفجر لاعبو القنيطري في الشوط الثاني، تحديدًا في الدقيقتين 60 و65، حيث تمكن أمجد سبيل من كسر الجمود وافتتاح باب التسجيل، ليتبعه عصام ناجي بهدف الاطمئنان الذي أراح الأعصاب وأنهى آمال الخصم. هذا الانتصار، وإن كان يحمل طابع النجاة، فإنه يجب أن يكون نقطة تحول وليس مجرد إنجاز ينسى معه مرارة الموسم.
لكن، هل يعتبر البقاء في القسم الثاني إنجازًا لنادٍ بحجم النادي القنيطري؟ الإجابة ببساطة هي لا. فالبقاء هو الحد الأدنى الذي كان يجب تحقيقه، وهو ليس سوى تأجيل لمشكلة أعمق وأكثر تعقيدًا. النادي القنيطري، بتاريخه الحافل بالألقاب والنجوم، وبقاعدته الجماهيرية الكبيرة، يستحق مكانة أفضل بكثير من الصراع في مؤخرة ترتيب القسم الثاني. هذا الوضع المتردي يثير تساؤلات جدية حول الحوكمة، الاستراتيجية الرياضية، التخطيط للمستقبل، وسياسة انتداب اللاعبين. إن ما يمر به الكاك ليس مجرد كبوة عابرة، بل هو نتيجة تراكمات لسنوات من القرارات الخاطئة، ضعف الاستثمار في الفئات السنية، وعدم القدرة على مواكبة متطلبات الاحتراف التي أصبحت تفرض نفسها بقوة في المشهد الكروي المغربي. على النادي أن ينظر إلى هذا البقاء ليس كنهاية للمشكل، بل كفرصة أخيرة لإعادة ترتيب البيت وإحياء أمجاده الغابرة.
ولكي يتمكن النادي القنيطري من استعادة مكانته الحقيقية، يجب أن تتجاوز الإدارة الحالية والمقبلة، إن وجدت، مجرد التفكير في الحلول الترقيعية. يتطلب الأمر رؤية شاملة وواضحة المعالم، تبدأ بإعادة هيكلة إدارية ومالية جذرية تضمن الشفافية والمساءلة. يجب أن يكون هناك تركيز حقيقي على الاستثمار في أكاديمية النادي وتطوير المواهب الشابة، التي لطالما كانت رافدًا مهمًا للفريق عبر تاريخه. كما أن سياسة الانتدابات تحتاج إلى مراجعة شاملة، بحيث يتم التعاقد مع لاعبين يضيفون قيمة حقيقية للفريق، بدلاً من مجرد سد الثغرات. ولا يمكن إغفال دور الجماهير، التي أثبتت مرة تلو الأخرى أنها الرصيد الحقيقي للنادي. يجب على الإدارة العمل على تعزيز العلاقة مع هذه القاعدة الجماهيرية الوفية، وإشراكها في بناء مستقبل النادي، والاستماع إلى مقترحاتها وتطلعاتها. إن النادي القنيطري يحتاج إلى مشروع رياضي طموح، لا يعتمد فقط على الهروب من شبح الهبوط، بل يهدف إلى المنافسة بجدية على الصعود والعودة إلى مصاف الكبار.
في الختام، يمثل هذا الانتصار في مباراة السد لحظة مفصلية في تاريخ النادي القنيطري الحديث. إنه ليس تتويجًا، بل هو إنذار أخير وفرصة ثمينة لالتقاط الأنفاس وإعادة التفكير في المسار برمته. فالجماهير القنيطرية العريقة لا ترضى بالبقاء في القسم الثاني، بل تتوق إلى رؤية فريقها يعود لينافس على الألقاب والمراكز المتقدمة. لقد أظهر هذا الموسم، وما قبله، أن مجرد الاعتماد على التاريخ وحده لن يكون كافيًا لمواجهة تحديات كرة القدم الحديثة. على جميع مكونات النادي، من إدارة ولاعبين وأطر تقنية، أن تستوعب هذا الدرس جيدًا وتعمل بروح المسؤولية الجماعية من أجل وضع النادي على الطريق الصحيح. فهل ينجح النادي القنيطري في استغلال هذه النجاة كدافع حقيقي للنهوض من كبوته والبدء في كتابة فصل جديد من تاريخه المليء بالأمجاد، أم أن هذا البقاء سيكون مجرد استراحة محارب مؤقتة قبل مواجهة تحديات أكبر في المستقبل؟ الإجابة رهن ما ستحمله الأيام القادمة من قرارات وأفعال.