نيران فوق المدارج: هل تنهار الهدنة اليمنية تحت وطأة الصراع الإقليمي؟
شهدت الأيام الأخيرة تحولاً دراماتيكياً في المشهد اليمني، حيث تبخرت حالة "اللا سلم واللا حرب" التي خيمت على البلاد لأكثر من عامين، لتحل محلها نذر مواجهات عسكرية مفتوحة. إن استهداف مدرج مطار صنعاء من قبل القوات الحكومية لمنع طائرة قادمة من طهران من الهبوط يمثل رسالة سياسية وعسكرية تتجاوز في دلالاتها مجرد إغلاق ممر جوي؛ فهي تعبير عن رغبة حكومية في استعادة السيادة على الأجواء وفرض حصار تقني يمنع وصول الدعم اللوجستي للحوثيين. هذا الفعل لم يمر دون رد، إذ سارعت الجماعة الحوثية إلى توسيع رقعة النار نحو العمق السعودي، مما يعيد الصراع إلى مربع التصعيد التقليدي الذي يهدد بحرق ما تبقى من جهود دبلوماسية دولية لإحلال السلام في شبه الجزيرة العربية.
من وجهة نظري، هذا التصعيد ليس وليد الصدفة، بل هو تجلٍ مباشر لانخراط اليمن كساحة خلفية في الصراع الجيوسياسي الأوسع بين واشنطن وطهران. إن ربط الملاحة الجوية في صنعاء بالتحركات الإيرانية يجعل من اليمن ورقة مساومة في يد اللاعبين الإقليميين، حيث يتم استخدام الأراضي اليمنية لإرسال رسائل ردع متبادلة. إن خروج الوضع عن السيطرة يعني بالضرورة تحول مطارات وموانئ المنطقة إلى أهداف مشروعة، وهو ما يضع المنطقة برمتها أمام تهديد وجودي لاقتصادياتها وأمنها، خاصة مع تزايد وتيرة الهجمات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية وتؤثر على خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
إن الهشاشة التي تتسم بها الهدنة اليمنية كانت متوقعة، لأنها قامت في الأساس على تفاهمات هشة لم تعالج جذور الأزمة، بل رحّلتها إلى توقيتات أكثر حساسية. إن العودة إلى لغة القصف المتبادل تعكس فشل المجتمع الدولي في تحويل التهدئة الميدانية إلى مسار سياسي مستدام. فبدلاً من بناء الثقة، وجد الفرقاء أنفسهم يعيدون تسليح جبهاتهم بانتظار إشارة من الخارج، مما يجعل المواطن اليمني هو الوقود الوحيد لهذا التصعيد؛ فالمشاريع الإنسانية التي كانت تعول على الاستقرار بدأت تنهار أمام طموحات الأطراف التي لا ترى في السلام إلا خسارة لنفوذها الميداني.
تحليلياً، يواجه الحوثيون الآن تحدياً مزدوجاً؛ فهم بين مطرقة استهداف العمق السعودي الذي يجرهم إلى مواجهة مع قوى دولية، وسندان الضغوط الشعبية التي ترفض العودة إلى أهوال الحرب. أما الحكومة اليمنية، فهي تحاول عبر هذا القصف إثبات قدرتها على التأثير، لكنها تدرك في قرارة نفسها أن الحل العسكري لا يمكنه إنهاء أزمة ذات أبعاد بنيوية وعميقة. إن الاستمرار في هذا النهج سيؤدي حتماً إلى تآكل المكتسبات القليلة التي تحققت خلال سنوات الهدوء، وسيعيد البلاد إلى المربع الأول من الدمار والنزوح، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في منطقة تعد قلب الاقتصاد العالمي.
ختاماً، إن استعادة الاستقرار في اليمن لا يمكن أن تتحقق عبر قصف المدرجات أو تبادل الهجمات العابرة للحدود، بل تتطلب إرادة وطنية تتحرر من الارتهان للأجندات الخارجية. إن التطورات الأخيرة هي جرس إنذار لكل المعنيين بأن الهدنة التي استمرت منذ 2022 ليست صكاً أبدياً للسلام، بل هي فرصة تاريخية يجب اقتناصها قبل أن تلتهم النيران ما تبقى من أمل في يمن مستقر وموحد. لا بديل عن العودة إلى طاولة المفاوضات بجدية أكبر، مع إدراك أن التصعيد العسكري لم ولن ينتج سوى مزيد من المأساة، ولن يحقق لأي طرف نصراً حاسماً، بل سيعمق جراح وطنٍ أضناه الصراع طويلاً.