خلف الستار الحديدي: كيف برر قائد الانقلاب النيجيري تمرده الأخير؟
في تطور سياسي مثير للجدل هز أرجاء نيجيريا، بدأت تتكشف تفاصيل الساعات العصيبة التي سبقت محاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد تحركات عسكرية عابرة، بل كان مخططاً طموحاً سعى منفذوه لقلب الطاولة على النظام القائم، مستغلين حالة الإحباط الشعبي والمؤسساتي التي تعيشها البلاد. إن اعترافات زعيم هذه المحاولة أمام المحققين لم تكن مجرد سرد لأحداث أمنية، بل كانت بمثابة وثيقة تعكس حجم التصدعات في بنية الدولة، حيث برر القائد خطواته التصعيدية بحالة الهشاشة التي أصابت مفاصل الأمن الوطني، واصفاً التراجع الأمني بأنه 'نقطة اللاعودة' التي دفعته وأتباعه لاتخاذ هذا القرار الصعب الذي كاد يغير وجه أكبر ديمقراطية في غرب أفريقيا.
من منظور تحليلي، يثير هذا الحدث تساؤلات جوهرية حول شرعية التدخل العسكري كحل للأزمات السياسية والمدنية. فرغم أن الحجج التي ساقها زعيم الانقلاب بشأن انهيار المنظومة الأمنية قد تجد صدى لدى شريحة واسعة من النيجيريين الذين يعانون من انفلات الوضع، إلا أن محاولة الانقلاب بحد ذاتها تظل وسيلة غير مشروعة لتقويض التداول السلمي للسلطة. إن وجهة نظري ترى أن الانقلاب مهما كانت مبرراته، فإنه يظل وصفة للدمار الشامل؛ فهو لا يحل معضلة الأمن بل يعمقها عبر إدخال الدولة في دوامة من التطهير العسكري والصراعات الداخلية التي لا تنتهي، مما يحول البلد إلى بؤرة ساخنة للصراعات النفوذية الإقليمية والدولية.
إن المشهد السياسي في نيجيريا اليوم يعاني من أزمة ثقة حادة؛ فالمواطن النيجيري يجد نفسه عالقاً بين سلطة مدنية يتهمها البعض بالعجز عن حماية الأرواح والممتلكات، وبين طموحات عسكرية تغلف أهدافها بوعود الإصلاح الأمني. إن هذا المزيج المتفجر هو الذي خلق بيئة خصبة لظهور شخصيات مثل هذا الزعيم الانقلابي، الذي يعتقد واهماً أن الحل يكمن في فرض النظام بقوة السلاح. يجب على السلطات النيجيرية أن تدرك أن اعترافات هؤلاء ليست مجرد اعترافات بجرائم، بل هي جرس إنذار يشير إلى أن المؤسسة العسكرية ذاتها أصبحت منقسمة تجاه الملف الأمني، وهو ما يشكل الخطر الأكبر على استدامة الدولة ككيان موحد وقوي.
بالنظر إلى التداعيات الإقليمية، لا يمكن فصل ما حدث في نيجيريا عن حالة 'عدوى الانقلابات' التي اجتاحت منطقة الساحل وغرب أفريقيا مؤخراً. إن النجاحات النسبية للانقلابات في دول الجوار قد شجعت العديد من القوى العسكرية على التفكير في تكرار السيناريو. ومع ذلك، فإن الطبيعة المعقدة لنيجيريا، سواء من حيث التنوع الديموغرافي أو الحجم الاقتصادي، تجعل من أي محاولة انقلابية مغامرة انتحارية تتجاوز تداعياتها الحدود الوطنية لتشمل استقرار القارة الأفريقية بأكملها، حيث تعد نيجيريا الركيزة الاقتصادية الأساسية للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس).
ختاماً، يمكن القول إن الأزمة التي تمر بها نيجيريا اليوم تتطلب حلولاً تتجاوز المقاربات الأمنية التقليدية أو القمع السياسي. إن الطريق نحو الاستقرار الحقيقي يمر عبر إصلاح المؤسسات الأمنية وإعادة بناء العقد الاجتماعي بين الحكومة والشعب. إن اعترافات زعيم الانقلاب يجب أن تُقرأ كصرخة تحذير من أن تجاهل مطالب الإصلاح، خاصة في الملف الأمني، يفتح الباب أمام قوى قد تعيد البلاد إلى عصور الديكتاتورية. على النخبة السياسية في أبوجا أن تدرك أن الحفاظ على الأمن هو المهمة الأسمى، وأن أي تراجع في هذا الملف لن يقابل بالصبر من القوى العسكرية أو الجماهير الغاضبة، وأن الاستقرار الذي يُبنى على فوهات البنادق هو هش بطبيعته ومهدد بالانهيار في أي لحظة.