رهان البقاء: هل تنجح كابول في كسب ود واشنطن بعد سنوات القطيعة؟

رهان البقاء: هل تنجح كابول في كسب ود واشنطن بعد سنوات القطيعة؟ - تابع تفاصيل الخبر وآخر المستجدات الحصرية والتحليلات الشاملة لحظة بلحظة.
رهان البقاء: هل تنجح كابول في كسب ود واشنطن بعد سنوات القطيعة؟


في تحول مفاجئ في الخطاب السياسي داخل أفغانستان، بدأت حكومة طالبان في تبني لغة دبلوماسية ناعمة تجاه القوى الغربية، وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية. هذا التوجه نحو "مد الجسور" ليس مجرد رغبة عابرة في تطبيع العلاقات، بل يبدو كاستراتيجية مدروسة تهدف إلى الخروج من عنق الزجاجة الاقتصادي والعزلة الدولية التي تخنق البلاد منذ أغسطس 2021. إن الرغبة المعلنة في إعادة فتح القنوات الدبلوماسية المباشرة بين كابول وواشنطن تعكس إدراكاً متزايداً لدى قادة الحركة بأن الاستمرار في سياسة الانغلاق لم يعد خياراً مستداماً في عالم تترابط فيه المصالح، حيث تتصاعد الضغوط الشعبية والاقتصادية داخل أفغانستان، مما يضع السلطة القائمة أمام ضرورة البحث عن شرعية خارجية تضمن استمراريتها.

من وجهة نظري التحليلية، يمثل هذا التحرك مغامرة جيوسياسية معقدة؛ فبينما تسعى حركة طالبان لتقديم نفسها كطرف مسؤول وقابل للتعامل معه، فإنها تصطدم بإرث ثقيل من الصدامات التاريخية مع واشنطن، بالإضافة إلى القيود المفروضة على حقوق الإنسان وحقوق النساء التي تظل العائق الأكبر أمام أي تقارب جدي. إن محاولة "استمالة" واشنطن تبدو وكأنها محاولة للمقايضة بالاستقرار الإقليمي والأمني مقابل التخفيف من العقوبات المالية وتجميد الأصول. ومع ذلك، فإن الإدارة الأمريكية، التي لا تزال تعاني من وطأة الانسحاب الفوضوي في العام 2021، تبدو حذرة للغاية، حيث تخشى أن تفسر أي خطوة تطبيعية على أنها انتصار سياسي لطالبان، وهو ما قد يرتد سلباً على الحزب الحاكم في موسم الانتخابات والسياسة الداخلية الأمريكية.

إن هذا المسعى الأفغاني لا يمكن قراءته بعيداً عن المتغيرات الإقليمية؛ فالجيران، من الصين إلى روسيا، يلعبون أدواراً محورية في الضغط باتجاه دمج أفغانستان في النظام الدولي، لكنهم يظلون مترددين في منح الاعتراف الكامل دون غطاء دولي أكبر. إن طالبان تدرك اليوم أن "الدبلوماسية البراجماتية" هي السلاح الوحيد المتبقي لها لانتزاع اعتراف رسمي قد يفتح أبواب البنك الدولي والمؤسسات المالية العالمية. ولكن، هل يمكن للحركة أن تتخلى عن أيديولوجيتها المتشددة مقابل مكاسب سياسية؟ الإجابة تكمن في قدرة كابول على تقديم تنازلات ملموسة داخلياً تجعل من "الاعتراف الغربي" خطوة منطقية لا تثير حفيظة الداخل، وهي معادلة تبدو في الوقت الراهن أشبه بتركيبة كيميائية صعبة التفاعل.

في تقديري، إن هذا التقارب المحتمل -إذا ما حدث- سيكون انتقائياً ومحدوداً في بدايته، وربما يتخذ مساراً مشابهاً للدبلوماسية الخلفية، حيث يتم التركيز على الملفات الأمنية ومكافحة الإرهاب كمدخل رئيسي للحوار. إن واشنطن لن تفرط في أوراق ضغطها بسهولة، وطالبان لن تتنازل عن ثوابتها الأيديولوجية طواعية. بالتالي، نحن أمام صراع إرادات طويل الأمد، حيث ستستمر المفاوضات على شكل خطوات صغيرة، ربما تبدأ بتسهيلات إنسانية وتصل إلى تبادل البعثات التمثيلية. إن فشل هذه المحاولة أو نجاحها سيحدد شكل الدولة الأفغانية في العقد القادم، فإما الانفتاح التدريجي الذي قد يؤدي إلى تحولات مجتمعية، أو الانكفاء المستمر نحو العزلة التي تزيد من فقر وتهميش الشعب الأفغاني.

ختاماً، يمكن القول إن رغبة طالبان في فتح صفحة جديدة مع واشنطن هي اعتراف ضمني بفشل نموذج العزلة، وهي خطوة براجماتية تعبر عن توازن القوى الراهن. ومع ذلك، يظل الطريق إلى السفارات المفتوحة محفوفاً بالألغام السياسية والأخلاقية. لكي ينجح هذا المسار، يجب أن تتجاوز العملية مجرد العبارات الدبلوماسية لتصل إلى تغيير جوهري في طبيعة الحكم والتعامل مع الحقوق الأساسية، فالمجتمع الدولي اليوم لم يعد يكتفي بالوعود، بل يبحث عن أفعال ملموسة على الأرض. إن المستقبل السياسي لأفغانستان يتوقف على قدرة قادتها على قراءة موازين القوى العالمية وفهم أن البقاء لا يتحقق بالخلاف، بل بمد الجسور التي تحفظ كرامة المواطن واستقرار الدولة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url