تصدعات في جدار التمرد: هل تعجل تصريحات السامعي بنهاية شهر العسل الحوثي؟

تصدعات في جدار التمرد: هل تعجل تصريحات السامعي بنهاية شهر العسل الحوثي؟ - تابع تفاصيل الخبر وآخر المستجدات الحصرية والتحليلات الشاملة لحظة بلحظة.
تصدعات في جدار التمرد: هل تعجل تصريحات السامعي بنهاية شهر العسل الحوثي؟


شهدت الأروقة الداخلية لجماعة الحوثي مؤخراً حالة من الاستنفار غير المسبوق، وذلك عقب التصريحات الجريئة التي أطلقها القيادي سلطان السامعي، والتي لم تكتفِ بتجاوز الخطوط الحمراء فحسب، بل لامست جوهر الممارسات التعسفية والانتهاكات التي تُمارس بحق المواطنين في مناطق سيطرة الجماعة. هذه الواقعة أعادت تسليط الضوء على هشاشة التحالفات داخل هيكل السلطة الحوثية، حيث كشفت عن فجوة عميقة تتسع يوماً بعد آخر بين ما يُعرف بـ 'تيار صعدة' المتشدد الذي يرى في أي نقد خيانة تستوجب الاستئصال، وبين القيادات المحسوبة على الداخل أو الشركاء السياسيين الذين يحاولون الحفاظ على ما تبقى من شعبيتهم المتآكلة. إن انتقادات السامعي للمظالم ليست مجرد زلة لسان، بل هي صرخة تعكس ضغط الشارع الذي بات يغلي تحت وطأة التضييق الاقتصادي والاجتماعي، مما وضع قيادة الجماعة أمام خيار صعب: إما التضحية بأحد أبرز حلفائهم، أو تحمل تبعات استمرار هذا النقد الذي قد يتحول إلى كرة ثلج تهدد تماسكهم الداخلي.

من وجهة نظري التحليلية، يمثل موقف سلطان السامعي اختباراً حقيقياً لطبيعة الحكم داخل كيان جماعة الحوثي، وهو اختبار يثبت أن الجماعة لا تزال تفتقر إلى المرونة السياسية التي تؤهلها للتعايش مع الآراء المخالفة، حتى وإن كانت صادرة من داخل البيت نفسه. إن إصرار جناح صعدة على اعتقال السامعي أو تهميشه يعكس عقلية أمنية صرفة لا تؤمن بالعمل السياسي ولا بالشركاء، بل تنظر للجميع بمنظار التابع والولاء المطلق. وبغض النظر عن الخلفيات الشخصية للسامعي أو دوافعه، فإن حقيقة وجود شخص بهذا الوزن داخل الجماعة ينتقد علانية 'سلوكيات الجماعة' تعني أن هناك تياراً متذمراً داخل أوساط الجماعة بدأ يدرك أن سفينة التمرد قد تغرق في وحل ممارساتها الخاصة، خاصة عندما تتحول السلطة إلى أداة لقمع الحلفاء قبل الخصوم.

الخلاف القائم حالياً بين القيادات في صنعاء وتوجهات صعدة يكشف عن عمق الصراع على النفوذ، حيث تتحفظ قيادات صنعاء على اتخاذ إجراءات قمعية ضد السامعي خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى هجرة جماعية للحلفاء السياسيين الذين قد يشعرون بأن أدوارهم انتهت ولم يعد لهم مكان سوى السجون أو التصفية. هذا النوع من 'الحرب الباردة' داخل الجماعة هو ما يمنعهم من اتخاذ قرار حاسم حتى الآن؛ فاعتقال السامعي قد يفتح بابا لا يمكن إغلاقه من التشكيك في قيادة الجماعة، في حين أن تركه حراً وهو ينتقد سياساتهم يعني إضعاف هيبة السلطة المركزية. إننا أمام لحظة تاريخية فارقة، حيث يختبر الحوثيون مدى قدرتهم على الصمود في ظل تصدعات داخلية لم تعد خافية على أحد، مما قد يمهد لانقسامات أكثر عمقاً في المستقبل القريب.

إن ما نراه اليوم هو نتاج طبيعي لتحالفات هشة قائمة على المصالح المتبادلة لا على الأيديولوجيا المشتركة، وعندما تبدأ هذه المصالح بالتعارض مع سياسات الإخضاع، تبدأ المنظومة بالاهتراء من الداخل. الصراع حول مصير السامعي هو في الحقيقة صراع حول مستقبل دور 'الشريك' في صنعاء، وهل سيظل هذا الشريك مجرد واجهة لشرعنة الانتهاكات، أم أنه سيحاول التمرد لاستعادة بعض من كرامته السياسية. إن التحفظ الذي تبديه قيادات صنعاء ليس دليلاً على وجود تيار إصلاحي، بل هو انعكاس لخوفهم من فقدان 'الغطاء' الذي يوفره هؤلاء الحلفاء، وهو ما يعزز الانطباع بأن الجماعة تعيش حالة من التخبط الاستراتيجي الذي يجعل قراراتها رهينة لردود الأفعال بدلاً من وجود رؤية واضحة لإدارة المرحلة.

ختاماً، يمكن القول إن قضية سلطان السامعي قد تكون مجرد شرارة أولى في سلسلة من الارتدادات التي ستواجهها الجماعة الحوثية. إن استمرار الانقسام بين تشدد صعدة وحذر صنعاء يؤكد أن الجماعة تفتقر إلى النضج السياسي الكافي لاستيعاب المتغيرات، وأن استمرارها في سياسة 'تكميم الأفواه' حتى تجاه حلفائها سيعجل بلا شك من تفكك بنيتها الداخلية. إن القادم لا يبشر بالخير بالنسبة للجماعة، حيث إن التحديات التي يفرضها الواقع لا تُحل بالاعتقالات أو بالتهديدات، بل بالحوار والاعتراف بالأخطاء، وهو ما يبدو مستحيلاً في ظل الفكر الأحادي الذي تهيمن عليه الجماعة. سيبقى مصير السامعي مؤشراً رئيسياً على اتجاه بوصلة الصراع الداخلي، ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة المزيد من التوترات التي قد تغير خريطة التحالفات في صنعاء للأبد.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url