أسعار الكازوال ترتفع بسنتيمات في المغرب .. والبنزين دون تغيير
مع إشراقة شمس فاتح شتنبر، استقبل أصحاب المركبات في المغرب خبراً ليس بالمفاجئ تماماً ولكنه يظل مزعجاً للقدرة الشرائية، حيث قررت محطات الوقود رفع سعر لتر الكازوال بمقدار ستة سنتيمات. هذا التعديل البسيط في الظاهر، والذي يترافق مع استقرار في أسعار البنزين، يفتح الباب مجدداً أمام نقاشات واسعة حول هيكلة أسعار المحروقات في المملكة وآليات تحديدها التي تظل مرتبطة بشكل وثيق بالتقلبات الدولية. ورغم أن الزيادة تبدو طفيفة، إلا أن تراكم هذه السنتيمات على المدى البعيد يثقل كاهل المهنيين وسائقي النقل، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع فاتورة طاقية تتغير بوتيرة متسارعة، مما يفرض تحديات جديدة على ميزانيات الأسر والمقاولات الصغرى والمتوسطة التي تعتمد في أنشطتها على الديزل بشكل أساسي.
من وجهة نظري الشخصية، أعتقد أن ربط أسعار السوق المحلية المغربية بالتقلبات الآنية للبورصات العالمية، وتحديداً عقود خام برنت، يجعل المستهلك النهائي يعيش في حالة من عدم اليقين الدائم. فعندما تنخفض الأسعار في الأسواق الدولية، ننتظر طويلاً قبل أن ينعكس ذلك على المضخة، ولكن عندما ترتفع الأسعار، يتم التطبيق بسرعة قياسية. هذا التفاوت في سرعة التفاعل يطرح تساؤلات مشروعة حول شفافية نظام التسعير ومدى فاعلية هامش الربح الذي تحققه الشركات الموزعة، خاصة في ظل غياب سياسات تحوطية قوية يمكنها امتصاص الصدمات العالمية بعيداً عن جيوب المواطنين، وهو ما يتطلب تدخلاً أكثر حزماً لضمان التوازن بين أرباح الشركات وحماية القدرة الشرائية.
إن التناقض الملحوظ بين انخفاض أسعار النفط الخام في الأسواق الدولية خلال الأيام الماضية وبين قرار رفع سعر الكازوال محلياً يثير الكثير من الجدل. فبينما كانت المؤشرات الدولية تتجه نحو التراجع بسبب مخاوف الركود العالمي، نجد السوق الوطنية تسير في اتجاه معاكس أو على الأقل تستبق الأحداث. هذا الوضع يشير بوضوح إلى أن معادلة التسعير في المغرب لا تعتمد فقط على سعر برميل النفط الخام، بل تدخل فيها عوامل معقدة أخرى، مثل سعر صرف الدولار، وتكاليف التكرير، واللوجستيك، وحتى الهوامش الربحية التي تظل محاطة بكثير من الضبابية، مما يجعل المواطن المغربي يشعر بأنه يدفع فاتورة اختلالات اقتصادية تتجاوز نطاق استهلاكه الشخصي.
علاوة على ذلك، فإن الاعتماد الكلي على الكازوال كمحرك رئيسي لقطاع النقل والخدمات في المغرب يجعل من أي زيادة في سعره "ضريبة غير مباشرة" على كل السلع والخدمات. فعندما يرتفع سعر الديزل، ترتفع بالضرورة تكاليف نقل البضائع، مما يؤدي إلى زيادة في أسعار الخضر والفواكه والمواد الغذائية الأساسية، وهو ما يطلق شرارة تضخم لا يشعر بها فقط أصحاب السيارات، بل كل فئات المجتمع، خاصة الفئات الهشة التي تخصص جزءاً كبيراً من دخلها لتغطية تكاليف التنقل والتغذية. لذا، فإن هذا الارتفاع ليس مجرد أرقام على لوحات المحطات، بل هو مؤشر على ضغط إضافي سيؤثر على استقرار الأسعار في الأسواق الوطنية خلال الفترة المقبلة.
في الختام، يبدو أن معضلة المحروقات في المغرب تتطلب أكثر من مجرد إعلانات عن زيادات أو انخفاضات بسنتيمات معدودة. نحن بحاجة إلى استراتيجية طاقية وطنية أكثر طموحاً، ترتكز على تنويع مصادر الطاقة، وتشجيع الانتقال نحو السيارات الكهربائية، والأهم من ذلك، تفعيل دور المؤسسات الرقابية لضمان تنافسية حقيقية وشفافة في سوق الوقود. إن الاستقرار الاقتصادي للمواطن لا يمكن أن يظل رهينة لتقلبات بورصة لندن أو نيويورك، بل يجب أن يكون محمياً بسياسات محلية تضع مصلحة المستهلك في قلب أولوياتها، بدل أن تكتفي بدور المتفرج على ما تمليه كبريات الشركات العالمية.