من صدارة العالم إلى دوامة التحديات: هل يُكتب فصل النهاية لمغامرة فيلدا مع لبؤات الأطلس؟

Failures-Threaten-Vildas-Continuity-With-The-Lionesses
من صدارة العالم إلى دوامة التحديات: هل يُكتب فصل النهاية لمغامرة فيلدا مع لبؤات الأطلس؟


لقد كان قرار الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بالتعاقد مع الإسباني خورخي فيلدا أشبه بإعلان نوايا جريء، طموح يرتفع ليلامس سقف التوقعات العالمية. لم يكن فيلدا مجرد اسم عادي، بل هو مهندس التتويج التاريخي لمنتخب إسبانيا للسيدات بكأس العالم 2023، إنجاز هز أركان الكرة النسوية وعزز مكانته كواحد من أبرز المدربين في الساحة العالمية. لذا، حينما حط رحاله في المغرب، لم يكن مجيئه مجرد تغيير روتيني على رأس القيادة الفنية لـ “لبؤات الأطلس”؛ بل كان بمثابة وعد ضمني بتحويل الأحلام إلى حقيقة، وتتويج المسيرة التصاعدية لكرة القدم النسوية المغربية بلقب قاري أول. جاء فيلدا ليحمل على عاتقه إرثاً كبيراً، ويواجه تحدياً أعظم: قيادة منتخب صعد للتو إلى مصاف الكبار بفضل بلوغه ثمن نهائي كأس العالم، ليترجم هذا الزخم إلى هيمنة إقليمية وقارية، وهو طموح بات يراود كل متتبع للكرة المغربية، رجالاً ونساءً.

لكن ما كان يبدو مساراً مرسوماً للنجاح، بدأ يتخذ منعطفات غير متوقعة، ويصطدم بجدار الواقع الذي لا يرحم. فبعد أشهر قليلة من استلامه الدفة، باتت السحب تتلبد في سماء مشروعه مع اللبؤات. لم تتأخر الإخفاقات في الظهور، ليس بالضرورة على شكل هزائم كارثية، بل في صورة أداء متذبذب، وغياب للانسجام، وتراجع في المستويات التي عودتنا عليها اللاعبات. النتائج لم تكن دائماً على قدر الطموح، والمردود الفني على أرضية الملعب لم يعكس الخبرة الكبيرة التي يمتلكها المدرب. بدا وأن السحر الذي مكنه من قيادة إسبانيا للتتويج العالمي قد تبخر في الأجواء الأفريقية، أو ربما لم يجد الظروف المناسبة لإعادة إنتاجه. بات السؤال يتردد في الأروقة الإعلامية وبين الجماهير: أين اللمسة السحرية؟ أين التكتيك المحكم؟ وأين الروح القتالية التي يُفترض أن يغرسها بطل العالم في نفوس “اللبؤات”؟ هذه التساؤلات المتزايدة هي من تهدد استمراره، وتضع مستقبله على المحك قبل أن تبدأ معركة الألقاب الكبرى.

من وجهة نظري، يمكن أن تعزى هذه البداية المتعثرة إلى عدة عوامل متداخلة ومعقدة. أولاً، قد يكون حجم الضغوط والتوقعات الهائلة التي حطت على كاهل فيلدا قد شكلت عبئاً أكبر مما كان متوقعاً. فبعد إنجاز كأس العالم مع إسبانيا، بات أي شيء أقل من التتويج القاري يعتبر فشلاً، وهذا يولد ضغطاً غير مسبوق على المدرب واللاعبات على حد سواء. ثانياً، قد يكون هناك اختلاف ثقافي وفلسفي في كرة القدم بين البيئة الإسبانية المتطورة والواقع المغربي، حيث يحتاج المدرب إلى وقت أطول للتأقلم مع اللاعبات، وفهم ذهنيتهن، وتكييف أسلوبه التدريبي بما يتناسب مع قدراتهن وخصوصياتهن. ليس كل ما نجح في سياق ينجح بالضرورة في سياق آخر دون تعديل. ثالثاً، قد يكون التحدي الأكبر هو الارتقاء بمستوى منتخب لا يزال في طور النمو، وتطوير اللاعبات ليتماشين مع متطلبات كرة القدم العالمية الحديثة، وهي عملية تتطلب صبراً وموارد قد لا تكون متوفرة بنفس القدر الذي اعتاده فيلدا في إسبانيا.

إن التوقعات العالية، وإن كانت دافعاً، يمكن أن تتحول إلى سيف مسلط على رقبة أي مدرب لا يحققها بالسرعة المطلوبة. وفي حالة فيلدا، فإن الوقت يداهمه. فالكرة المغربية، بعد طفرة الإنجازات الأخيرة على صعيد الرجال والسيدات، لم تعد تقبل بالحلول الوسط. فالجماهير متعطشة للألقاب، والجامعة الملكية لكرة القدم تتطلع لترسيخ مكانتها كقوة كروية صاعدة. هذا يعني أن هامش الخطأ يتضاءل يوماً بعد يوم. إن أي تعثر قادم، خاصة في المنافسات الرسمية الحاسمة، قد يكون بمثابة المسمار الأخير في نعش مغامرة فيلدا مع “اللبؤات”. فالإخفاقات لا تهدد استمراريته فحسب، بل تهدد أيضاً استقرار المشروع الكروي النسوي بأكمله، والذي بُني على أسس صلبة من التخطيط والطموح. يجب أن يقدم فيلدا حلولاً سريعة وملموسة، وأن يعيد الثقة للجماهير واللاعبات معاً، قبل أن يُتخذ قرار قد يغير مجرى مسيرته ومستقبل الكرة النسوية المغربية.

في الختام، يواجه خورخي فيلدا مفترق طرق حاسماً. فإما أن يعيد اكتشاف لمسته السحرية، ويستلهم من تجربة الماضي ليعيد “لبؤات الأطلس” إلى سكة الانتصارات والأداء المقنع، أو أن يكتب فصل النهاية لمغامرة بدأت بآمال عريضة وانتهت بخيبات أمل متتالية. يتطلب هذا الوضع مزيجاً من الصبر والتفكير العميق من جانب الجامعة، ومن العمل الجاد والتكيف السريع من جانب المدرب. يجب أن تكون هناك استراتيجية واضحة لإعادة بناء الثقة وتطوير الأداء، بعيداً عن ضغط النتائج اللحظية قدر الإمكان، مع الإبقاء على هدف التتويج القاري نصب الأعين. فالكرة المغربية تستحق أن تواصل صعودها، و”اللبؤات” يمتلكن الموهبة والإمكانيات لتحقيق ذلك، لكن الطريق إلى المجد يتطلب قيادة حكيمة وفعالة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وتحويل الأحلام المعلقة إلى واقع ملموس.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url