غزة بين مطرقة العدوان وسندان الصمت: هل بات الخذلان وقوداً لآلة الحرب؟
تتصاعد حدة التوتر في الساحة الفلسطينية مع تعمق الفجوة بين الواقع الميداني الدامي في قطاع غزة وبين الاستجابات السياسية الإقليمية والدولية التي لا تزال تراوح مكانها خلف جدران بيانات الاستنكار. في ظل هذا المشهد، وجهت حركة حماس انتقادات حادة للسلطة الفلسطينية وللمحيط العربي، معتبرة أن حالة السكون السياسي التي تسيطر على المنطقة لم تعد مجرد حياد دبلوماسي، بل أضحت ضوءاً أخضر غير مباشر يمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساحة واسعة للمضي قدماً في سياساته التصعيدية. إن استمرار التباطؤ في اتخاذ إجراءات عملية تتجاوز لغة التنديد التقليدية قد خلق فراغاً استراتيجياً ملأته آلة الحرب الإسرائيلية بمزيد من العنف، مما يجعل التساؤل حول المسؤولية الأخلاقية والسياسية للجوار العربي أمراً لا مفر منه في هذا التوقيت الحساس.
من وجهة نظري الشخصية، لا يمكن فصل تصاعد وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية عن غياب استراتيجية عربية موحدة ومؤثرة. إن نتنياهو، الذي يعاني من أزمات سياسية داخلية خانقة، يجد في "الصمت العربي" فرصة ذهبية لتصدير أزماته عبر بوابة غزة، مستغلاً قناعة لديه بأن كلفة عدوانه لا تزال أقل بكثير من مكاسبه السياسية الشخصية. عندما تتحول المواقف إلى مجرد تعليقات روتينية تتجاهل موازين القوى، فإن الاحتلال يقرأ هذا المشهد كرسالة ضعف، وهو ما يفسر العنجهية التي نراها في التعامل مع المدنيين، لا سيما الأطفال الذين يدفعون ضريبة الدم في صراعٍ كان من الممكن احتواؤه بضغوط دولية وإقليمية جادة وقوية بدلاً من الاكتفاء بمقاعد المشاهدين.
إن انتقاد حماس للسلطة الفلسطينية يعكس في جوهره أزمة التمثيل والقرار الفلسطيني المشتت، حيث تفتقر الساحة الفلسطينية اليوم إلى بوصلة موحدة قادرة على استثمار الدماء في تحقيق مكاسب سياسية حقيقية. إن الاعتماد على الخارج في تغيير المعادلة هو رهان خاسر طالما بقيت البيت الداخلي الفلسطيني منقسماً ومتهالكاً. فبدلاً من تبادل الاتهامات، كان من الأجدر أن يكون التحدي الأكبر هو بناء جبهة داخلية صلبة قادرة على فرض واقع جديد، سواء بالمقاومة الميدانية أو بالعمل الدبلوماسي المنسق، ولكن الواقع يشير إلى أن الطرفين لا يزالان أسيرين لمنطق المحاصصة الحزبية الضيقة التي تغذيها أطراف خارجية لا تريد للقضية الفلسطينية أن تنهض من تحت ركام الانقسام.
يجب أن نتوقف طويلاً عند مفهوم "الخذلان" الذي طرحته الحركة؛ فهو يحمل أبعاداً تاريخية واجتماعية تتجاوز السياسة. فالشعوب العربية، رغم تعاطفها الجارف مع غزة، تجد نفسها في حالة شلل بانتظار قرارات رسمية لا تأتي، بينما تواصل القوى الإقليمية الأخرى نسج تحالفات جديدة قد تهمش القضية الفلسطينية كلياً. إن هذه الديناميكية تجعل من الصعب على أي طرف فلسطيني أن يواجه الترسانة الإسرائيلية وحيداً. لذا، فإن تحميل المسؤولية للآخرين، وإن كان مبرراً في بعض جوانبه، إلا أنه قد يكون أيضاً وسيلة للهروب من واقع أن غزة باتت اليوم الحلقة الأضعف في لعبة شطرنج دولية لا ترحم الضعفاء ولا تلتفت للدموع.
ختاماً، إن استمرار مسلسل الخذلان السياسي لن يكتب نهايته إلا بتغيير جذري في الأدوات المستخدمة لمواجهة الاحتلال. إن نتنياهو لن يتوقف بدافع الضمير أو بضغط من بيانات الإدانة؛ هو يتحرك وفق لغة المصالح والقوة. وبما أن ميزان القوى الحالي يميل لصالح إسرائيل بفضل هذا الغطاء الدولي والصمت الإقليمي، فإن السبيل الوحيد لإيقاف هذه العجلة هو استعادة الزمام من خلال استراتيجية فلسطينية جامعة تفرض على العالم احترام حقوق الشعب الفلسطيني، وتذكر القادة العرب أن غزة ليست مجرد ملف في أرشيفاتهم، بل هي نبض الأمة الذي إن توقف، سيعلن عن بداية انهيار منظومة الأمن الإقليمي بأكملها.