أزمة الكتاب المدرسي: كيف تهدد الفوضى التجارية استقرار القطاع المكتبي بالمغرب؟
مع إشراقة كل موسم دراسي جديد، يجد المكتبيون المغاربة أنفسهم في مواجهة تحدٍ متكرر يهدد توازنهم الاقتصادي، وهو تفاقم ظاهرة البيع العشوائي للوازم المدرسية والمقررات الدراسية. إن هذا النشاط غير المنظم، الذي ينمو كالفطر على أرصفة الشوارع وفي زوايا الأسواق غير المهيكلة، لا يمثل مجرد منافسة غير عادلة، بل يعكس خللاً بنيوياً في سلسلة التوريد والتوزيع. فبينما يلتزم المكتبي المهني بدفع الضرائب، وتحمل أعباء كراء المحلات، وتوظيف اليد العاملة، يأتي الباعة العشوائيون ليستحوذوا على حصة مهمة من السوق دون أي التزام قانوني أو جبائي، مما يطرح تساؤلات جدية حول مفهوم تكافؤ الفرص في قطاع حيوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتمدرس أجيال المستقبل.
من وجهة نظري كتحليلٍ لهذه الظاهرة، أرى أن المشكلة أعمق من كونها مجرد "باعة متجولين"، فهي انعكاس لضعف الرقابة في قنوات التوزيع التي قد تسرب الكتب المدرسية والمستلزمات إلى خارج مساراتها الرسمية. إن وجود كتب مدرسية مدعمة أو دفاتر خاصة في يد باعة غير مرخصين يثير الريبة حول كيفية وصول هذه المواد إليهم، وهو ما يتطلب من الجهات الوصية تتبع مسار التوزيع من المطبعة إلى المستهلك النهائي. إن السماح لهذه الممارسات بالاستمرار لا يضر فقط بمداخيل المكتبات الصغرى والمتوسطة، بل يهدد بانهيار مهنة "الكتبي" التي تعد ركيزة أساسية في نشر الثقافة وتوفير المراجع التعليمية للطلاب في ظروف منظمة تضمن الجودة والسلامة.
إن تأثيرات هذه الفوضى تتجاوز الجانب المادي لتطال الجانب القيمي والتربوي؛ فالكتاب المدرسي ليس مجرد سلعة استهلاكية يتم تداولها في ظروف تفتقر للمعايير المطلوبة، بل هو أداة تعليمية مقدسة يجب أن تصل للطالب عبر قنوات رسمية وموثوقة. إن انتشار "العشوائية" في هذا القطاع يعطي انطباعاً سلبياً لدى المتعلمين وأولياء أمورهم بأن الكتاب المدرسي مادة قابلة للمضاربة في الأسواق السوداء، مما يفرغ العملية التعليمية من هيبتها. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكتبيين الذين يقضون سنوات في بناء سمعتهم وتوفير الخدمات الاستشارية للآباء، يجدون أنفسهم مضطرين لمواجهة أسعار لا تخضع لمنطق العرض والطلب العادل، بل لمنطق التصفية والبيع غير القانوني الذي ينهك اقتصاديات الأسر والمؤسسات على حد سواء.
لحل هذه المعضلة، يتطلب الأمر تضافر جهود السلطات المحلية مع النقابات المهنية للكتبيين لشن حملات مراقبة صارمة تمنع تسرب اللوازم المدرسية إلى الأسواق غير المهيكلة. كما يجب تشجيع سياسة "المكتبة المواطنة" التي توفر خدمات متكاملة لا يستطيع البائع العشوائي تقديمها، مثل توفير التغليف المدرسي، وتقديم النصائح الأكاديمية، والالتزام بأسعار محددة وواضحة. إن التحول الرقمي أيضاً قد يلعب دوراً مهماً من خلال اعتماد منصات رقمية تتبع مسارات الكتب، مما يجعل التلاعب بتوزيع المقررات مهمة مستحيلة أمام أعين الرقابة الإلكترونية والإدارية التي تضمن وصول الكتاب لمستحقيه بسعره الأصلي ودون وسطاء غير قانونيين.
ختاماً، إن الحفاظ على قطاع المكتبات لا يخص الكتبيين وحدهم، بل هو مسؤولية وطنية تهدف إلى ضمان استقرار السوق وحماية المهنيين الذين يساهمون في بناء الوعي الوطني. إن التغاضي عن البيع العشوائي تحت ذريعة "القوت اليومي" هو حل مؤقت له تداعيات مدمرة على الاقتصاد الوطني وعلى استدامة المشاريع الصغرى. نحتاج اليوم إلى رؤية شمولية تدمج هؤلاء الباعة في القطاع المهيكل أو تضع حداً فاصلاً بين التجارة المنظمة والفوضى، لضمان دخول مدرسي يمر في أجواء من الانضباط، والعدالة التجارية، والاحترام التام للقانون الذي يحفظ حقوق الجميع، بدءاً من التاجر المجتهد وصولاً إلى الطالب الذي ينتظر كتابه ليحقق طموحه الدراسي.