خلف قناع الضعف: لماذا يعتبر الإدمان انهياراً بنيوياً وليس مجرد خيار شخصي؟
في خطوة توعوية هامة خلال فعاليات دورة «الفتوى والإدمان» التي نظمتها دار الإفتاء المصرية، قدم الدكتور إبراهيم عسكر، مدير البرامج الوقائية بصندوق مكافحة وعلاج الإدمان، رؤية نقدية عميقة حول التوصيف الحقيقي لظاهرة التعاطي. إن الطرح الذي قدمه يتجاوز النظرة التقليدية السطحية التي تربط الإدمان بـ«ضعف الإرادة» أو غياب الوازع الأخلاقي، ليضعه في إطاره العلمي الصحيح كـ «انهيار متعدد الطبقات». هذه النظرة تمثل تحولاً ضرورياً في كيفية تعامل المجتمع والمؤسسات الدينية والطبية مع المتعاطي، حيث يتم التركيز على الإدمان كمرض مزمن يؤثر على كيمياء الدماغ ومسارات اتخاذ القرار، مما يحرر الأسر من وهم أن الإرادة وحدها كافية للتعافي دون تدخل طبي ونفسي وتأهيلي متخصص.
من وجهة نظري التحليلية، تكمن خطورة الترويج للمفاهيم الخاطئة، مثل الادعاءات المغلوطة حول «أمان» بعض المواد المخدرة كالحشيش، في أنها تعمل كبوابة ناعمة تخدع الشباب وتدفعهم نحو هاوية لا يدركون عمقها إلا بعد فوات الأوان. إن عملية السقوط في فخ الإدمان ليست حدثاً مفاجئاً، بل هي سلسلة من التدرج الممنهج تبدأ بالتجربة الفضولية وتمر بالاستخدام العرضي وصولاً إلى الاعتماد الكلي. المخدرات التخليقية الجديدة هي الوجه الأشد قسوة لهذا المسار، فهي تعيد صياغة الدماغ بشكل مدمر وسريع، مما يجعل من «الإرادة» المزعومة مجرد صدى ضعيف في مواجهة احتياجات بيولوجية قسرية يفرضها المخدر على المريض.
إن فكرة «الانهيار متعدد الطبقات» التي طرحها عسكر تستوجب منا إعادة قراءة الخريطة الاجتماعية للتعاطي؛ فالمجتمع لا يواجه مجرد فرد يعاني من انحراف سلوكي، بل يواجه ضحايا لآليات استدراج معقدة تتداخل فيها المؤثرات النفسية، والبيئة الاجتماعية، والضغوط الاقتصادية، وحتى التضليل المعلوماتي عبر منصات التواصل. إن حصر الإدمان في دائرة «الخطيئة» فقط قد يؤدي إلى الوصمة الاجتماعية التي تمنع المريض من طلب المساعدة، بينما التعامل معه كمرض يتطلب تضافر المؤسسات الدينية، الإعلامية، والطبية لخلق بيئة داعمة ترفع الحرج وتسهل الوصول للعلاج في مراكز الصندوق المنتشرة.
تعد دورات «الفتوى والإدمان» جسراً حيوياً للربط بين الخطاب الروحي والعلمي، وهو أمر في غاية الأهمية لترسيخ الوعي المجتمعي الصحيح. إن الفتاوى التي تصدر حول الإدمان يجب أن تنطلق من استيعاب كامل لطبيعة هذا الانهيار العضوي والنفسي، بحيث تساهم في إزالة الحواجز النفسية التي تمنع المدمنين من التوجه للمصحات العلاجية. إن تعزيز دور المؤسسات الوقائية وتعميم تجربة صندوق مكافحة الإدمان في التوعية بمخاطر المواد التخليقية يعد خط الدفاع الأول لحماية أجيالنا من هذه الآفة التي لا تستهدف الفرد فحسب، بل تهدد استقرار الأسر وقيم المجتمع التنموية.
ختاماً، إن الإدمان ليس قدراً محتوماً، بل هو تحدٍّ يتطلب مواجهة جماعية تتجاوز الشعارات إلى الأفعال. يتضح لنا جلياً أن المعركة ضد المخدرات هي معركة وعي قبل كل شيء؛ وعيٌ يدرك أن الوقاية تبدأ من تفكيك خرافات «التجربة الآمنة»، وتمر بدعم المريض بدلاً من إدانته، وتنتهي بتمكينه من إعادة بناء حياته. إن تكامل الأدوار بين دار الإفتاء وصندوق مكافحة الإدمان يعكس إدراك الدولة المصرية بأن حماية شبابنا لا تتحقق إلا بمقاربة شاملة تدمج بين الوازع القيمي والعلم النفسي الحديث، لنتمكن سوياً من بناء سد منيع ضد هذا الانهيار البشري الخطير.