فخ العروض الرخيصة: كيف تهدد حرب الأسعار استقرار المشاريع المحلية في المغرب؟
تشهد أروقة الجماعات الترابية في مختلف ربوع المملكة حالة من الاستنفار غير المسبوق في أعقاب تفاقم ظاهرة المنافسة الشرسة عبر تقديم عروض مالية زهيدة للحصول على صفقات سندات الطلب. إن هذه الممارسة التي يتبناها بعض المقاولين للفوز بالطلبيات العمومية، سرعان ما تتحول إلى مأزق حقيقي بمجرد البدء في التنفيذ الميداني؛ إذ يجد المتعاقد نفسه عاجزاً عن تغطية تكاليف المواد الأولية أو أجور اليد العاملة، مما يؤدي بالضرورة إلى توقف الأشغال أو تقديم خدمات تفتقر إلى أبسط معايير الجودة والمهنية، وهو ما يضع المجالس المنتخبة في موقف حرج أمام الساكنة التي تنتظر تنفيذ وعود تنموية محددة. إن تفاقم هذه الظاهرة يستدعي وقفة تأملية عميقة لتقييم مدى فعالية مساطر الإسناد المالي والرقابة القبلية على عروض الأسعار.
من وجهة نظري، تكمن المشكلة الجوهرية في غياب آليات رادعة أو تقييمات واقعية للأسعار المرجعية داخل دفتر التحملات الخاص بسندات الطلب، حيث يتم التركيز بشكل مفرط على العرض المالي الأقل دون تمحيص القدرة الفعلية للمقاولة على الإنجاز. إن سياسة "الأرخص هو الأفضل" باتت تشكل تهديداً مباشراً للمال العام، فهي تفتح الباب على مصراعيه لمقاولات غير مؤهلة أو تسعى للربح السريع على حساب جودة البنية التحتية والمرافق العامة. يجب على المشرع والمصالح المختصة الانتقال نحو نموذج يعتمد "العرض الأفضل" عوض "الأرخص"، من خلال إدراج معايير تقنية صارمة تمنح للمسؤولين صلاحية استبعاد العروض غير المنطقية التي تخالف الأسعار المعمول بها في السوق الحقيقي، مما يضمن توازناً اقتصادياً يحمي المقاولة من الإفلاس ويحمي الإدارة من التعثر.
كما أن إرباك سير المرافق العمومية الناجم عن هذه الحرب السعرية لا يقتصر فقط على الجانب المالي، بل يمتد ليؤثر سلباً على السلم الاجتماعي والثقة في المؤسسات المنتخبة. فعندما تتوقف الأوراش الحيوية في الجماعات، تتصاعد احتجاجات المواطنين الذين يرون في ذلك تعبيراً عن سوء التدبير أو غياب الفعالية، رغم أن السبب قد يكون مقاولة تعثرت بسبب عروضها غير المدروسة. إن هذا النوع من الصراع الاقتصادي يفرز ظاهرة "المقاولات العابرة" التي تقبل بأي ثمن للفوز بالعقد، لتجد نفسها لاحقاً أمام جدار من التكاليف المرتفعة، مما يضطرها للتخلي عن التزاماتها، ويجعل الإدارة في دوامة مساطر فسخ الصفقات التي تضيع الوقت والجهد وتؤخر عجلة التنمية المحلية بشكل لا يمكن تداركه بسهولة.
ولعل الحل يكمن في تعزيز التنسيق بين المديرية العامة للجماعات الترابية والمصالح المالية المحلية لخلق مرصد للأسعار يضع سقفاً أدنى مقبولاً لكل خدمة أو سلعة، مع تفعيل عقوبات صارمة في حق المقاولات التي تثبت سوء نيتها في التقديم بأسعار غير تنافسية بهدف عرقلة المنافسة أو الفوز غير المستحق. كما يتعين تحصين صفقات سندات الطلب بضمانات مالية أكثر صرامة، تفرض على المقاول إثبات قدرته التمويلية واللوجستية قبل توقيع العقد. إن الاستثمار في رقمنة هذه المساطر وتفعيل أنظمة المراقبة البعدية الدورية كفيل بكشف التلاعبات في المهد، قبل أن تتحول إلى أزمات هيكلية تعيق تطلعات الجماعات الترابية في تنفيذ برامج عملها التنموية بالشكل المطلوب.
ختاماً، إن التحدي الذي تفرضه حرب الأسعار في سندات الطلب يتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز منطق التوفير المالي قصير الأمد نحو منطق استدامة التنمية. لا يمكن بناء مشاريع عمومية صلبة ومستدامة إذا كانت مبنية على أرقام وهمية أو عروض محفوفة بالمخاطر. إن المسؤولية مشتركة بين الإدارة التي يجب أن تكون أكثر حذراً وذكاءً في تقييم العروض، والمقاولات التي ينبغي أن تتبنى أخلاقيات مهنية تضع مصلحة الصالح العام فوق الرغبة في الظفر بالصفقة بأي ثمن. إننا اليوم بحاجة ماسة إلى إصلاح جوهري يرسخ مبدأ المسؤولية المتبادلة ويحمي استثماراتنا العمومية من التبديد، لضمان مستقبل تنموي أكثر توازناً وعدلاً للجميع.