زلزال إثيوبيا الداخلي: هل تنهار ركيزة الاستقرار في القرن الأفريقي؟
تشهد الساحة السياسية في إثيوبيا منعطفاً حرجاً يثير مخاوف إقليمية ودولية متزايدة، حيث لم تعد الأزمات الداخلية المتمثلة في النزاعات العرقية والاضطرابات الأمنية حبيسة الحدود الجغرافية لأقاليم بعينها، بل تجاوزت ذلك لتصبح تهديداً مباشراً لاستقرار الدولة المركزية في أديس أبابا. إن تآكل النفوذ السلطوي لحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، الذي صعد إلى السلطة بوعود إصلاحية طموحة، يضع البلاد أمام اختبار وجودي غير مسبوق، خاصة في ظل اتساع رقعة الصراعات التي باتت تستنزف موارد الدولة وتعمق الانقسامات الاجتماعية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة الإثيوبية على الصمود كركيزة أساسية لاستقرار منطقة القرن الأفريقي التي تعاني أصلاً من هشاشة أمنية مزمنة.
تتجاوز التوترات الحالية في إثيوبيا مجرد كونها خلافات سياسية عابرة؛ فهي تجسد أزمة هيكلية في إدارة التنوع الإثني المعقد ومحاولة المركز فرض سيطرته على أقاليم تتمسك باستقلاليتها الإدارية والسياسية. لقد أدى الفشل في التوصل إلى صيغة توافقية وطنية شاملة إلى تحويل المطالب الحقوقية إلى نزاعات مسلحة ممتدة، وهو ما يضعف القبضة المركزية ويزيد من احتمالات انزلاق البلاد نحو حالة من الفوضى الممنهجة. إن تصاعد حدة التوتر في أقاليم مثل أمهرة وأوروميا يعكس حالة من الإحباط الشعبي المتنامي تجاه وعود التغيير التي لم تترجم إلى إصلاحات اقتصادية أو سياسية ملموسة، بل زادت من حدة الاستقطاب الإثني الذي يهدد النسيج الوطني الهش.
وعلى صعيد التداعيات الإقليمية، لا يمكن فصل ما يجري في الداخل الإثيوبي عن التوازنات الهشة في منطقة القرن الأفريقي؛ فإثيوبيا التي لطالما لعبت دور القوة المهيمنة والوسيط في فض النزاعات، أصبحت الآن بؤرة قلق تتطلب تدخلاً مستمراً لمنع امتداد أزماتها إلى دول الجوار. إن ضعف الدولة الإثيوبية قد يؤدي إلى فراغ أمني تستغله جماعات مسلحة عابرة للحدود، بالإضافة إلى تأثير ذلك على ملفات شائكة كقضية سد النهضة والعلاقات المتوترة مع الصومال والسودان، حيث إن أي اضطراب في القرار السيادي الإثيوبي يضعف من قدرة البلاد على خوض مفاوضات إقليمية فاعلة أو حماية حدودها من التدخلات الخارجية التي تترقب سقوطها.
علاوة على ذلك، أدت التحديات الاقتصادية المتفاقمة، من تضخم متسارع ونقص في العملة الصعبة، إلى تفاقم الأزمات السياسية، مما خلق بيئة خصبة لنمو الخطابات المتطرفة التي تستغل الأزمات المعيشية لشحن الجماهير ضد الحكومة. إن التداخل بين الأزمات الأمنية والاقتصادية يجعل من الصعب على حكومة آبي أحمد اعتماد استراتيجية موحدة للخروج من المأزق الحالي، خاصة في ظل الضغوط الدولية المتزايدة التي تطالب بإصلاحات ديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وهي مطالبات تقابلها الحكومة بحذر خوفاً من فقدان ما تبقى لها من شرعية في الأوساط الوطنية التي تميل نحو التصلب القومي.
في الختام، يبدو أن إثيوبيا تقف عند مفترق طرق تاريخي، فإما التوجه نحو حوار وطني جدي يشمل كافة المكونات السياسية والاجتماعية لترميم الثقة المفقودة، أو الانزلاق نحو دوامة من التفكك الداخلي الذي لن تقتصر تداعياته على الداخل فقط. إن استقرار القرن الأفريقي مرتبط بشكل وثيق بتجاوز إثيوبيا لأزماتها، مما يفرض على القوى الإقليمية والدولية ضرورة دعم مسارات السلم الأهلي بدلاً من تأجيج الصراعات، فالمستقبل السياسي لأديس أبابا هو المحرك الأول لاستقرار المنطقة بأسرها، وأي انهيار في هيكلية الدولة الإثيوبية سيخلق زلزالاً جيوسياسياً يصعب التنبؤ بآثاره على المدى الطويل.