مبادرة لقجع لدمج الاقتصاد الخفي: نحو مرحلة جديدة من العدالة الاقتصادية بالمغرب

مبادرة لقجع لدمج الاقتصاد الخفي: نحو مرحلة جديدة من العدالة الاقتصادية بالمغرب - تابع تفاصيل الخبر وآخر المستجدات الحصرية والتحليلات الشاملة لحظة بلحظة.
مبادرة لقجع لدمج الاقتصاد الخفي: نحو مرحلة جديدة من العدالة الاقتصادية بالمغرب


يشهد الاقتصاد المغربي تحولاً استراتيجياً لافتاً، حيث تسعى الحكومة من خلال تصريحات فوزي لقجع أمام أرباب العمل إلى فك الارتباط التاريخي بين القطاع غير المهيكل والمنطق الجبائي المحض. إن هذه المبادرة لا تكتفي بكونها خطة اقتصادية، بل تمثل رؤية اجتماعية طموحة تهدف إلى منح الفاعلين في الاقتصاد الموازي وضعاً قانونياً يضمن لهم الحماية الاجتماعية والاستقرار، متجاوزة الصورة النمطية التي كانت تحصر هذا الملف في جباية الضرائب، لتتحول إلى ورش لإعادة الاعتبار للمنشآت الصغيرة والمستقلة التي تشكل شريان حياة لآلاف الأسر المغربية.

من وجهة نظري، يمثل هذا التوجه اعترافاً صريحاً بأن القوة الحقيقية للاقتصاد المغربي تكمن في قدرة المواطن على المبادرة والابتكار بعيداً عن التعقيدات الإدارية. إن ربط دمج القطاع غير المهيكل بالحقوق الاجتماعية وليس فقط بالالتزامات الضريبية هو الخطوة الأكثر ذكاءً في هذا المسار، فالمشغل الصغير الذي كان يخشى الولوج إلى النظام الرسمي بسبب التكلفة المرتفعة، سيجد اليوم مصلحة حقيقية في الانخراط طالما أن المقابل هو تأمين صحي وتقاعد وضمان قانوني يحميه من تقلبات السوق، مما يعزز الثقة المتبادلة بين الدولة والقطاع الخاص بكافة مستوياته.

ومع ذلك، يظل التحدي الحقيقي أمام هذه السياسة ليس في إعلانها، بل في مدى سلاسة الإجراءات التنفيذية التي ستواكبها. فالهوة بين الإدارة والفاعلين الاقتصاديين الصغار تراكمت لعقود من التوجس، ومن الضروري أن تكون هناك آليات تحفيزية ملموسة، ربما عبر تسهيلات في الولوج إلى التمويل البنكي وتخفيض الأعباء الإدارية في المرحلة الانتقالية. إن النجاح في هذا الورش سيعني تقليصاً تدريجياً للفوارق الاقتصادية، وسيحول ملايين الأنشطة العشوائية إلى محركات فعالة وقادرة على المساهمة في خلق فرص شغل قارة ذات جودة عالية.

إنني أرى أن المقاربة التي طرحها لقجع تشير إلى نضج في السياسات العمومية التي بدأت تتجه نحو استيعاب الواقع المعيش بدلاً من فرض قوالب جاهزة قد لا تناسب خصوصية السوق المحلية. إن هذا الإصلاح يعبر عن رغبة الدولة في إرساء دعائم اقتصاد أكثر شمولية، حيث لا يشعر التاجر الصغير أو الحرفي بأنه خارج المظلة الوطنية. ومع تحسن ظروف العمل وضمان الحقوق، ستتحول الطاقات المهدورة في القطاع الموازي إلى طاقة إنتاجية مضافة تعزز الناتج الداخلي الخام وتدعم تماسك النسيج الاقتصادي الوطني في ظل الأزمات العالمية.

خاتمة القول، إن دمج القطاع غير المهيكل هو رهان المستقبل الذي سيحدد مدى نجاح المغرب في تحقيق عدالة اقتصادية شاملة. إن تجاوز عقلية "الجباية الصرفة" لصالح "مواكبة التنمية" يعد خطوة شجاعة تستحق الدعم والمتابعة الدقيقة. إذا استطاعت الحكومة إيصال هذه الرسالة بوضوح لأصحاب المهن والأنشطة الصغيرة، فإن المغرب سيخطو خطوة عملاقة نحو عصرنة اقتصاده، ليصبح بيئة خصبة للنمو المستدام الذي يستفيد منه الجميع دون استثناء، مما يضمن في نهاية المطاف استقراراً اجتماعياً واقتصادياً يرتكز على المواطنة الاقتصادية المسؤولة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url