ثوابت السيادة اللبنانية: موقف عون من الصراع والرهانات المستقبلية

ثوابت السيادة اللبنانية: موقف عون من الصراع والرهانات المستقبلية - تابع تفاصيل الخبر وآخر المستجدات الحصرية والتحليلات الشاملة لحظة بلحظة.
ثوابت السيادة اللبنانية: موقف عون من الصراع والرهانات المستقبلية


في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة والضغوط الجيوسياسية التي تحاصر لبنان، برز الموقف الأخير للرئيس جوزيف عون خلال زيارته الميدانية إلى مدينة النبطية كرسالة حازمة تعيد تعريف أولويات الدولة اللبنانية. إن رفض خيار التفاوض في الظروف الراهنة ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو انعكاس لقناعة وطنية راسخة بأن السيادة لا يمكن أن تكون موضوعاً للمساومة، خاصة في ظل استمرار التواجد العسكري الإسرائيلي في المناطق الجنوبية. يمثل هذا التوجه محاولة جريئة من المؤسسة الرئاسية لفرض معادلة جديدة تعطي الأولوية لإنهاء الانتهاكات الميدانية قبل الحديث عن أي تسويات دبلوماسية، مما يعكس رغبة في استعادة زمام المبادرة الوطنية بعيداً عن الإملاءات الخارجية.

من منظور تحليلي، يظهر جلياً أن التركيز على عودة النازحين وضمان الانسحاب الكامل ليس مطلباً لوجستياً فحسب، بل هو معركة وجودية تهدف إلى ترميم النسيج الاجتماعي والسياسي الذي تضرر جراء التصعيد المستمر. إن الدولة اللبنانية اليوم تجد نفسها أمام اختبار صعب؛ فهي مطالبة من جهة بحماية مواطنيها وتأمين عودتهم إلى قراهم التي أفرغت من سكانها، ومن جهة أخرى، السعي لإعادة إعمار البنية التحتية التي دمرتها آلة الحرب. هذا الربط بين التحرير والإعمار يعطي للقرار الرئاسي أبعاداً اقتصادية واجتماعية، حيث لا يمكن لمسارات التنمية أن تنطلق دون استقرار أمني فعلي ومستدام يضمن عدم تكرار مأساة التهجير والدمار في المستقبل القريب.

وجهة نظري الشخصية في هذا المسار تتقاطع مع ضرورة الحفاظ على ثوابت الدولة في مواجهة التعنت الإسرائيلي، حيث أن التفاوض من موقع ضعف غالباً ما يؤدي إلى تنازلات تمس بالحقوق التاريخية. إن إصرار عون على المطالبة بعودة الأسرى وإنهاء الاحتلال يضع الكرة في ملعب المجتمع الدولي، مطالباً إياه بالضغط على الجانب الآخر للانصياع للقوانين الدولية، بدلاً من الضغط على لبنان لتقديم تنازلات لا تخدم استقراره الطويل الأمد. إن الحاجة هنا تبرز لوحدة الصف الداخلي، لأن الانقسام السياسي اللبناني هو الثغرة الكبرى التي يستغلها الخصم، وتجاوز هذه الحالة هو الخطوة الأولى نحو تحقيق نصر دبلوماسي يوازي الصمود الميداني الذي أبداه اللبنانيون في الجنوب.

علاوة على ذلك، لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي تلعبه الحكومة اللبنانية في ملف إعادة الإعمار، والذي يعد حجر الزاوية في تثبيت السكان في أراضيهم. إن عملية إعادة بناء المدن والقرى المدمرة تتجاوز البعد الهندسي إلى بعد رمزي يتعلق بتشبث المواطن بهويته الوطنية وأرضه. إن توظيف الإمكانات المتاحة لتحسين ظروف العيش للنازحين العائدين سيعزز من شرعية الموقف الرسمي، وسيمنح القيادة السياسية أوراق ضغط قوية على طاولة المفاوضات المستقبلية عندما يحين أوانها، شريطة أن تكون تلك المفاوضات قائمة على قواعد تكفل السيادة الوطنية الكاملة على كافة الأراضي اللبنانية دون انتقاص أو شروط مجحفة.

ختاماً، إن المرحلة المقبلة تتطلب من لبنان حكمة استثنائية في إدارة الصراع، توازن بين صلابة المواقف السياسية والمرونة التكتيكية في حماية مصالح الشعب. إن الطريق نحو السلام المستدام في الجنوب لا يمر عبر اتفاقيات هشة، بل عبر إرساء واقع ميداني يحترم السيادة اللبنانية ويلبي طموحات العودة والعيش بكرامة. إن رسالة عون من النبطية كانت واضحة للجميع، بأن لبنان اليوم يرفض أن يكون ورقة مساومة، وأنه ماضٍ في طريق استعادة أراضيه وإعادة إعمار ما تهدم، متسلحاً بإرادة شعب لا يلين أمام التحديات، ومستنداً إلى حق لا يسقط بالتقادم ولا بالاحتلال، مما يجعل الخيار الاستراتيجي الوحيد هو التمسك بالثوابت حتى يتحقق التحرير الكامل.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url