الدرهم النقدي في المغرب: مقاومة شرسة للإصلاحات ورقمنة الاقتصاد... هل تعود "التسوية الطوعية" بمالية 2027؟
واصلت السيولة النقدية المتداولة في المغرب التحليق عند مستويات قياسية غير مسبوقة، مستقرة في حدود 540 مليار درهم مع متم يوليوز 2026. هذا الرقم الضخم يعيد إلى الواجهة مجدداً معضلة "الكاش" وقدرته العنيدة على مقاومة مسارات الرقمنة والتحديث المالي الشامل، بالإضافة إلى تعطيل جهود توسيع الشمول البنكي التي تسعى إليها المملكة. يعكس هذا الحجم الكبير من الأوراق النقدية والقطع المعدنية استمرار اعتماد جزء واسع من الأسر والفاعلين الاقتصاديين على المعاملات النقدية، مما يثير تساؤلات جدية حول فعالية السياسات المالية الحالية والتوجهات المستقبلية، خاصة مع اقتراب مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 وما قد يحمله من حلول محتملة، أبرزها إمكانية إعادة إحياء مبدأ "التسوية الطوعية".
تكمن أسباب هذا الاعتماد المستمر على النقد في عوامل متعددة ومعقدة، فمن جهة، لا يزال الاقتصاد غير المهيكل يشكل جزءاً لا يستهان به من النشاط الاقتصادي في المغرب، حيث تفضل المعاملات خارج الإطار الرسمي الدفع النقدي لسهولته وعدم تتبعه. ومن جهة أخرى، هناك عامل ثقافي واجتماعي متجذر، فالكثير من المغاربة، سواء كانوا أفراداً أو تجاراً صغاراً، يفضلون سيولة النقد في متناول اليد، ويعتبرونه أكثر أماناً وتحكماً في أموالهم مقارنة بالتعاملات المصرفية أو الرقمية. كما أن الانتشار غير الكامل للبنية التحتية للدفع الإلكتروني في المناطق النائية أو لدى الفئات محدودة الدخل، يساهم في بقاء الكاش هو الخيار الوحيد والمفضل لهم، مما يعرقل جهود الدولة نحو مجتمع أقل اعتماداً على النقد.
إن استمرار هيمنة الكاش لا يمثل مجرد تحدٍ لوجستي، بل يحمل في طياته تداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة. فهو يعيق تحقيق الشفافية المالية اللازمة لنمو اقتصادي مستدام، ويسهل عمليات التهرب الضريبي وغسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، مما يؤثر سلباً على إيرادات الدولة وقدرتها على تمويل المشاريع التنموية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد المفرط على النقد يحد من قدرة البنوك على تجميع الودائع وتوجيهها نحو الاستثمار، ويجعل عمليات التخطيط الاقتصادي أكثر صعوبة بسبب غياب البيانات الدقيقة عن حجم المعاملات. كما يقلل من الشمول المالي، حيث يبقى جزء كبير من السكان والشركات الصغيرة والمتوسطة خارج المنظومة المصرفية، محرومين من الخدمات المالية الأساسية التي يمكن أن تدعم نموهم.
في ظل هذه التحديات، برزت "التسوية الطوعية" كآلية محتملة يمكن أن تعيد إحياءها الحكومة من خلال مشروع قانون المالية 2027. وقد طبقت المغرب هذا المبدأ في مناسبات سابقة، بهدف تشجيع الأفراد والشركات على التصريح عن ممتلكاتهم وأصولهم غير المصرح بها، سواء كانت داخل المغرب أو خارجه، مقابل دفع غرامات مخفضة أو نسب ضريبية تفضيلية. تهدف هذه التسوية إلى ضخ سيولة نقدية ضخمة كانت متداولة خارج القنوات الرسمية أو مودعة في الخارج، إلى داخل الاقتصاد المهيكل، مما يعزز القاعدة الضريبية للدولة ويزيد من الشفافية المالية ويقلل من حجم الاقتصاد غير المهيكل. يمكن أن توفر هذه الخطوة حلاً مؤقتاً لتحدي الكاش، لكن فعاليتها تتوقف على شروط التطبيق وضمانات الثقة.
لكن إعادة طرح "التسوية الطوعية" لا يخلو من النقاش والتساؤلات، فبينما يرى البعض فيها حلاً براغماتياً لجلب الأموال إلى الاقتصاد الرسمي، يخشى آخرون من أنها قد تشجع على التهرب الضريبي في المستقبل، حيث يمكن للمتهربين أن يعتقدوا بوجود فرصة جديدة للتسوية كل بضع سنوات. يتطلب نجاح هذه الآلية، إذا ما تم اعتمادها، مقاربة متكاملة لا تقتصر على الجانب الضريبي فحسب، بل تمتد لتشمل تعزيز ثقافة الشمول المالي وتشجيع استخدام وسائل الدفع الرقمية وتحديث البنية التحتية المصرفية. يجب أن تترافق مع حملات توعية مكثفة حول مزايا الرقمنة والشفافية، وتشديد الرقابة بعد انتهاء فترة التسوية لضمان عدم تكرار المشكلة، ولتحقيق أهداف أوسع في بناء اقتصاد رقمي وشفاف.
في الختام، يمثل استمرار هيمنة السيولة النقدية في المغرب تحدياً هيكلياً يستدعي مقاربة شاملة ومتعددة الأبعاد. وبينما قد تلجأ الحكومة إلى آليات مؤقتة كـ"التسوية الطوعية" ضمن مشروع مالية 2027 لإدماج جزء من هذه الأموال في الدورة الاقتصادية الرسمية، فإن الحل المستدام يكمن في تسريع وتيرة الرقمنة، وتعزيز الشمول المالي، ومكافحة الاقتصاد غير المهيكل بفعالية أكبر. إن قدرة المغرب على تحويل هذا التحدي إلى فرصة للنمو الاقتصادي والشفافية المالية ستعتمد بشكل كبير على الإرادة السياسية وقدرة السياسات العمومية على التكيف مع التغيرات، وتوجيه الاقتصاد نحو مستقبل أقل اعتماداً على الكاش وأكثر مرونة وتنافسية.