النيجر: جنرال بخبرة صينية يقود دفة الجيش في مواجهة غربية
شهدت النيجر تحولاً مفصلياً في قيادة جيشها، بعد أسبوعين فقط من الإطاحة بالحكومة المنتخبة في انقلاب عسكري هز استقرار البلاد وأثار قلق المجتمع الدولي. في خطوة تؤكد على توجهات المجلس العسكري الحاكم، عيَّن الجنرال عبد الرحمن تياني، رئيس المجلس، الجنرال موسى سالاو بارمو رئيساً جديداً لأركان القوات المسلحة. هذا التعيين ليس مجرد تبديل قيادي روتيني، بل هو مؤشر قوي على مسار النيجر المستقبلي، خصوصاً بالنظر إلى الخلفية العسكرية والسياسية للقائد الجديد، وما يحمله هذا من دلالات عميقة على صعيد السياسة الخارجية والعلاقات الدولية للدولة الواقعة في منطقة الساحل المضطربة. إن استلام بارمو لهذه المهمة الحساسة في هذا التوقيت الحرج، يضع على عاتقه مسؤولية قيادة مؤسسة عسكرية تواجه تحديات أمنية داخلية معقدة، وضغوطاً خارجية متزايدة.
تُبرز سيرة الجنرال بارمو جوانب مثيرة للاهتمام تشير إلى التوجهات الجديدة للنظام في النيجر. فقد تلقى تدريبه العسكري في الصين، وهي حقيقة لا يمكن إغفالها في سياق التنافس الجيوسياسي العالمي. هذا التدريب يمنحه منظوراً مختلفاً عن القيادات العسكرية التي عادة ما تتوجه للتدريب في الغرب. الأهم من ذلك، أن بارمو قاد مهمة سحب القوات الغربية، وهو ما يعكس موقفاً حاسماً ومعادياً للوجود العسكري الغربي، لا سيما الفرنسي، في النيجر. هذه الخلفية تضع الجنرال الجديد في صلب التوجهات المناهضة للغرب التي يتبناها المجلس العسكري، وقد تعني تحولاً كبيراً في عقيدة الجيش النيجري ومصادر دعمه وتدريبه المستقبلية. هذا التحول ليس مجرد استبدال شركاء، بل هو إعادة تعريف لموقع النيجر على الخريطة الجيوسياسية، مع احتمالية الانفتاح على قوى إقليمية ودولية أخرى قد تكون مستعدة لملء الفراغ الذي يخلفه انسحاب القوات الغربية.
إن تولي بارمو لهذه القيادة العليا ينذر بتحولات جيوسياسية محتملة في المنطقة برمتها. فبعد سنوات من الاعتماد على الشراكة الأمنية مع فرنسا والولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب، يبدو أن النيجر تتجه نحو فك الارتباط بهذه القوى. هذا المسار قد يفتح الباب أمام تعزيز العلاقات مع دول مثل الصين، التي تسعى لتوسيع نفوذها في إفريقيا، أو حتى روسيا، التي برزت كلاعب مؤثر في منطقة الساحل عبر مجموعة فاغنر وغيرها من الأدوات. من وجهة نظري، هذه الخطوة تمثل محاولة من المجلس العسكري لإعادة تأكيد سيادة النيجر واستقلال قرارها، ولكنها تحمل في طياتها مخاطر جمة، منها فقدان الدعم الغربي الحيوي في الحرب ضد الجماعات المتطرفة، وزيادة عزلة البلاد سياسياً واقتصادياً. كما أن هذا التغيير قد يعيد تشكيل التحالفات الأمنية الإقليمية، ويؤثر على جهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل التي تعاني أصلاً من هشاشة أمنية بالغة.
على الصعيد الداخلي، يواجه الجنرال بارمو والمجلس العسكري تحديات هائلة. فبالإضافة إلى ضرورة ترسيخ سلطتهم في مواجهة الرفض الدولي والعقوبات المحتملة، يتعين عليهم التعامل مع الوضع الأمني الهش في البلاد، حيث لا تزال الجماعات المتطرفة تشكل تهديداً كبيراً. كما أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، من فقر وبطالة ونقص في الخدمات الأساسية، تتطلب حلولاً عاجلة. إن سحب القوات الغربية، وإن كان قراراً سيادياً، قد يترك فراغاً أمنياً يصعب على الجيش النيجري وحده سده على المدى القصير، خاصة مع افتقاره إلى الموارد والتدريب اللازمين. الأمر يتطلب استراتيجية شاملة لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل التنمية الاقتصادية وبناء الثقة مع المواطنين، وهو تحد كبير لحكومة غير شرعية تعاني من ضغوط داخلية وخارجية متزامنة.
في الختام، يُعد تعيين الجنرال موسى سالاو بارمو قائداً جديداً لجيش النيجر لحظة محورية تعيد تشكيل مستقبل البلاد. إنه قرار يرمز إلى تحول عميق في التوجهات الاستراتيجية للنيجر، بعيداً عن الشراكات التقليدية مع الغرب، ونحو مسار قد يكون أكثر استقلالية ولكن أكثر تعقيداً ومخاطرة. بينما يسعى المجلس العسكري لتثبيت أقدامه وإعادة تعريف مكانة النيجر في الساحة الدولية، فإن التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية ستبقى عوامل حاسمة في تحديد مدى نجاح هذا التحول. إن نظرة بارمو تجاه التدريب الصيني ودوره في إنهاء الوجود الغربي تُقدم لمحة عن الأيديولوجية الكامنة وراء الانقلاب، وتُشير إلى أن النيجر قد تكون على أعتاب مرحلة جديدة تحمل في طياتها فرصاً ومخاطر متساوية، وستكون عواقبها مؤثرة ليس فقط على النيجر، بل على استقرار منطقة الساحل الأفريقي بأسرها.