دوامة العنف في نيجيريا: بوكو حرام تعيد إحياء مآسي النزوح والدم في منطقة بحيرة تشاد
شهدت المناطق الشمالية الشرقية من نيجيريا فصلاً جديداً من فصول المأساة الإنسانية التي لا تنتهي، حيث نفذت عناصر تنتمي لجماعة بوكو حرام هجوماً مباغتاً أسفر عن مقتل أحد عشر مدنياً، في تذكير صارخ بهشاشة الوضع الأمني في حوض بحيرة تشاد. هذا العمل الإجرامي لا يمثل مجرد إحصائية رقمية في سجلات العنف الممتد، بل يعكس استراتيجية متهالكة للجماعات المتطرفة التي تحاول استعادة نفوذها عبر استهداف المدنيين العزل في القرى النائية. وبالتزامن مع هذه الفاجعة، أعلن الجيش النيجيري نجاح قواته في التصدي لكمين محكم كان يستهدف إحدى دورياته، مما يبرز حالة الكر والفر التي تشكل طبيعة النزاع المسلح في تلك الجغرافيا الوعرة التي تتداخل فيها الحدود وتضيع فيها فرص التنمية لصالح آلة القتل.
من وجهة نظري، يمثل هذا الهجوم مؤشراً مقلقاً على تحول تكتيكات الجماعات الإرهابية نحو الإنهاك المستمر بدلاً من السيطرة المكانية الكبرى، وهو ما يصعب مهمة القوات النظامية في تطهير المنطقة. إن استهداف المدنيين ليس صدفة أو نتيجة جانبية، بل هو أداة ممنهجة لزعزعة ثقة السكان المحليين في الدولة ولخلق مناطق عازلة تسيطر عليها الجماعة فكرياً وميدانياً. إن الحل العسكري وحده، مهما بلغت قوته وتطورت إمكانياته، لن يكون كافياً لاجتثاث جذور التطرف إذا لم يرافقه مشروع سياسي واقتصادي يعيد إحياء الأمل لدى الشباب الذين يجدون في الانضمام لهذه التنظيمات ملاذاً من الفقر المدقع وغياب الخدمات الأساسية، فالمعركة اليوم هي معركة كسب القلوب والعقول بقدر ما هي معركة استخباراتية وعسكرية.
إن المشهد في نيجيريا يتطلب مقاربة إقليمية شاملة لا تتوقف عند حدود الدولة الواحدة؛ فبوكو حرام وفروعها أثبتت مرونة فائقة في الانتقال عبر الحدود مستغلةً التضاريس الصعبة وضعف التنسيق الأمني بين الدول المتجاورة مثل تشاد والنيجر والكاميرون. إن غياب التنمية المستدامة في هذه المناطق جعل من المجتمعات المحلية فريسة سهلة لغسيل الأدمغة واستقطاب العناصر التي تبحث عن أيديولوجيا تبرر غضبها من الواقع المرير. إن الاعتماد الكلي على الحلول الأمنية التقليدية قد أثبت قصوره خلال العقد الماضي، وحان الوقت لتفعيل برامج المصالحة المجتمعية وفتح قنوات حوار حقيقية مع الفئات المتأثرة قبل أن تنجرف نحو التطرف القاتل الذي يهدد استقرار القارة الأفريقية بأكملها.
علاوة على ذلك، يجب التوقف طويلاً عند العبء الإنساني الذي تخلفه هذه الهجمات؛ فالنازحون الذين فقدوا ذويهم ومنازلهم يتحولون بمرور الوقت إلى بيئة خصبة لنمو التطرف نتيجة الشعور بالغبن والنسيان الدولي. إن المجتمع الدولي مدعو اليوم للالتفات إلى هذه الزاوية المنسية من العالم التي تعاني من تداعيات التغير المناخي وشح الموارد الذي يغذي الصراعات القبلية والدينية بشكل مستمر. إن إنهاء هذه الدوامة يحتاج إلى استراتيجية استباقية تتجاوز ردود الفعل العسكرية، وتضع في أولوياتها توفير الأمن الغذائي والتعليم والبنية التحتية، لأن الإرهاب ينمو في التربة التي تغيب عنها الدولة وتغيب عنها الخدمات التي تحفظ للإنسان كرامته وحقوقه الأساسية.
في الختام، يظل ملف مكافحة بوكو حرام اختباراً حقيقياً لإرادة الدول الأفريقية في توحيد صفوفها ضد خطر لا يعترف بحدود أو عهود. إن مقتل أحد عشر مدنياً هو نداء استغاثة يذكرنا بأن الإرهاب لا يزال يمتلك القدرة على الضرب في مقتل، وأن التقدم المحرز في الميدان عسكرياً يجب أن يُحصن بتحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية. إننا نتطلع إلى يوم تتوقف فيه هذه الأنباء الحزينة عن تصدر الصحف، ليحل محلها أخبار البناء والازدهار في قلب أفريقيا، لكن هذا الهدف لن يتحقق إلا بوعي دولي وإقليمي يدرك أن الأمن القومي لا يتحقق بقتل الإرهابي فقط، بل بمنع ولادة بيئة إرهابية جديدة في المستقبل.