سماء تيغراي تحت رحمة المسيرات: تصعيد يهدد سلاماً لم يكتمل
في تطور مقلق يعيد شبح الصراع المسلح إلى الواجهة الإقليمية والدولية، أعلنت السلطات في إقليم تيغراي الإثيوبي اتهامات جديدة ومباشرة للحكومة الفيدرالية بشن هجوم بطائرة مسيّرة استهدف مناطق شمال الإقليم يوم الثلاثاء الماضي. يأتي هذا الادعاء ليذكّر بمرارة الحرب الطاحنة التي عصفت بالمنطقة لعامين كاملين، مخلفةً وراءها دماراً هائلاً، وأزمة إنسانية عميقة لا تزال تداعياتها قائمة، وليقرع ناقوس الخطر مجدداً حول هشاشة السلام الذي سعت الأطراف الدولية والإقليمية جاهدة لترسيخه عبر مفاوضات مضنية. إن طبيعة الاتهام، والتي تشير تحديداً إلى استخدام طائرات مسيّرة متطورة، تثير تساؤلات جدية حول مدى التزام جميع الأطراف باتفاقيات وقف إطلاق النار المبرمة، وتلقي بظلال كثيفة من الشك والريبة على أي تقدم قد يكون قد أُحرز نحو تسوية سياسية دائمة للصراع. هذا الحادث، إن ثبتت صحته بالأدلة والبراهين، لا يمثل مجرد خرق بسيط لاتفاقيات هشة، بل هو مؤشر خطير ودليل على احتمالية عودة دوامة العنف التي لم ولن يرجى منها سوى المزيد من المعاناة الإنسانية والتشريد لشعب تيغراي وإثيوبيا عموماً، مما يضع مستقبل السلام على المحك مرة أخرى.
يستند الصراع المرير في تيغراي إلى جذور عميقة ومعقدة من التوترات السياسية والعرقية التي تفاقمت على مدى عقود طويلة من الحكم والتحولات، وصولاً إلى اندلاع حرب شاملة ومدمرة في أواخر عام 2020. لقد شهد الإقليم فصولاً دامية من القتال الشرس والعنيف، تميزت بفرض حصار قاسٍ أثر على حياة الملايين، وارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تُحقق فيها المنظمات الدولية، وتشريد الملايين من السكان من ديارهم، وتدمير منهجي للبنية التحتية الحيوية. وكانت الطائرات المسيرة قد لعبت دوراً محورياً وحاسماً في المراحل السابقة من الصراع، حيث منحت تفوقاً جوياً حاسماً لطرف على حساب الآخر، مما أدى إلى خسائر بشرية فادحة وتأثير نفسي عميق وطويل الأمد على السكان المدنيين الأبرياء. إن العودة المحتملة لاستخدام هذه الأداة الحربية الفتاكة لا تعيد فقط ذكريات أليمة من الرعب والدمار، بل تشير أيضاً إلى استراتيجية قد تهدف إلى ممارسة الضغط العسكري أو الردع بطريقة قد لا تتماشى مع الروح الساعية نحو التهدئة الشاملة. هذا يطرح تساؤلات ملحة حول ما إذا كانت الأطراف قد استلهمت الدروس القاسية من الماضي، أم أنها ما زالت تفضل الحلول العسكرية العنيفة على طاولة الحوار السياسي البناء الذي يعد السبيل الوحيد للسلام الدائم.
إن تداعيات الهجمات بالمسيرات تتجاوز الخسائر المادية والبشرية المباشرة التي تُلحقها، لتشمل تأثيراً عميقاً وسلبياً على النسيج الاجتماعي الهش والثقة المفقودة بين المجتمعات المتحاربة. فاستخدام هذه التكنولوجيا العسكرية المتطورة في صراعات داخلية يثير مخاوف حادة بشأن انتهاك القانون الإنساني الدولي ومبادئ التمييز والتناسب الأساسية في النزاعات المسلحة، خاصة مع الصعوبة البالغة في التحقق من الأهداف بدقة متناهية في بيئة متقلبة وغير مستقرة، مما يعرض المدنيين للخطر المباشر. على الصعيد الدولي، يبدو أن هناك تراجعاً ملحوظاً في الاهتمام الإعلامي والضغط الدبلوماسي الفعال على الأطراف المتحاربة في إثيوبيا، ربما بسبب تزاحم الأزمات العالمية الأخرى التي تتصدر الأجندات الدولية. هذا التجاهل المحتمل يمنح الأطراف المتحاربة مساحة أكبر للمناورة العسكرية والسياسية، وقد يقلل بشكل كبير من حوافزها للالتزام بوقف كامل للأعمال العدائية، مما يهدد بتقويض جهود السلام الهشة من أساسها. إن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية كبرى في ضمان أن الكوارث الإنسانية لا تُنسى وأن مبادئ القانون الدولي تُطبق بصرامة وحزم، خاصة عندما تكون حياة المدنيين الأبرياء وكرامتهم على المحك في نزاعات داخلية معقدة كهذه.
إن المزاعم الأخيرة حول الهجوم بطائرة مسيّرة تكشف عن تحديات عميقة ومعقدة لا تزال تعترض مسار السلام الهش والمضطرب في إثيوبيا، وتبرهن على أن الطريق إلى الاستقرار لا يزال محفوفاً بالمخاطر. فعملية بناء الثقة الضرورية بين الحكومة الفيدرالية وسلطات تيغراي تتطلب التزاماً لا يتزعزع بالامتناع عن أي عمل عسكري أو استفزازي، وهو ما يبدو أنه لم يتحقق بشكل كامل حتى الآن. قد يكون هذا الحادث إشارة واضحة إلى وجود توترات كامنة لم تُحل بعد بشكل جذري، أو محاولة من أحد الأطراف لإعادة تأكيد قوته العسكرية أو الرد على استفزازات غير معلنة قد تكون حدثت في الخفاء. يجب على كلا الطرفين أن يدركا تمام الإدراك أن كل عمل عسكري، مهما كان محدوداً في نطاقه، يساهم في تغذية دوامة الشك والخوف المتبادل، ويصعب من مهمة إيجاد أرضية مشتركة للحوار المستقبلي البناء. إن الحلول الدائمة والمستدامة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر قنوات دبلوماسية مفتوحة وشفافة، والالتزام الصادق بالآليات المتفق عليها لحل النزاعات بطرق سلمية، بدلاً من اللجوء المتكرر إلى القوة التي لم تجلب للمنطقة على مر التاريخ سوى المزيد من الدمار والشقاء الإنساني والاجتماعي. السلام الحقيقي يبنى على الثقة والالتزام المتبادل، لا على التهديد المستمر.
في الختام، يمثل الادعاء بشن هجوم جديد بطائرة مسيّرة في تيغراي نقطة تحول خطيرة وحاسمة، تستدعي وقفة جادة وتفكيراً عميقاً في مسار السلام الإثيوبي الذي لم يكتمل بعد. إن الاستقرار الدائم والمستدام في المنطقة لن يتحقق إلا من خلال التزام حقيقي وملموس من جميع الأطراف المعنية بنزع فتيل التوتر بشكل كامل، والعمل الجاد على بناء جسور الثقة المفقودة التي هدمتها سنوات الصراع. يجب على الحكومة الإثيوبية وسلطات تيغراي أن تدركا تماماً أن مستقبل المنطقة وشعبها الأبي يعتمد بشكل أساسي على قدرتهما على تجاوز الماضي المؤلم المليء بالصراعات واختيار طريق الحوار والمصالحة الوطنية الشاملة. على المجتمع الدولي بدوره، ألا يغض الطرف عن هذه التطورات المقلقة، وأن يمارس الضغط اللازم والفعال لضمان احترام اتفاقيات السلام المبرمة، وتقديم المساعدة الضرورية في عملية إعادة الإعمار الشاملة والمصالحة المجتمعية. فبدون هذه الجهود المتضافرة والالتزام الصادق بالسلام، ستبقى سماء تيغراي مهددة باستمرار، وسيبقى شبح الحرب يخيم على الأفق البعيد، محولاً كل بصيص أمل إلى سراب خادع، ومستقبل الأجيال القادمة إلى مجهول محفوف بالمخاطر والتحديات الجسام.