نيران عصب: هل يكتب ميناء إريتريا فصلاً جديداً من الصراع الإثيوبي؟
تشهد منطقة القرن الأفريقي توتراً متصاعداً يعيد للأذهان ذكريات النزاعات الحدودية المريرة بين إثيوبيا وإريتريا، حيث بات «ميناء عصب» الإريتري محوراً جديداً للتوتر العسكري والدبلوماسي. يأتي هذا التصعيد في وقت تعاني فيه إثيوبيا من اضطرابات داخلية، مما دفع أديس أبابا إلى توجيه اتهامات مباشرة لأسمرة بدعم جماعات متمردة لزعزعة استقرارها، وهو ما نفته الحكومة الإريترية بشدة واصفة هذه الادعاءات بأنها غطاء لأطماع استراتيجية تتجاوز مجرد تبادل الاتهامات، لتصل إلى التلويح بمخاوف اندلاع حرب شاملة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في البحر الأحمر.
تستند الرؤية الإثيوبية في هذا النزاع إلى ضرورة تأمين الوصول إلى موانئ البحر الأحمر كمسألة أمن قومي وجودية، حيث ترى الحكومة الإثيوبية أن ميناء عصب يمثل شريان حياة حيوي لاقتصادها الحبيس. وفي المقابل، ترفض إريتريا هذه المطالب معتبرة أن أي ضغوط إثيوبية للسيطرة على هذا الميناء أو استغلاله تشكل تهديداً مباشراً لسيادتها الوطنية. إن التباين في وجهات النظر بين البلدين حول كيفية إدارة المناطق الحدودية والمنافذ البحرية يعكس تراكمات تاريخية وجروحاً لم تندمل منذ حرب عام 1998، والتي تحولت اليوم إلى ورقة ضغط سياسي يستخدمها كل طرف لتعزيز موقفه أمام المجتمع الدولي.
تتجلى أبعاد الأزمة في الاتهامات المتبادلة بشأن دعم المتمردين، حيث ترى أديس أبابا أن أسمرة تسعى لإنهاكها من الداخل من خلال دعم فصائل معارضة تسعى لإسقاط النظام الحالي. ومن وجهة نظر محللين سياسيين، فإن الزج باسم ميناء عصب في هذا الصراع ليس صدفة، بل هو تعبير عن رغبة إثيوبيا في استعادة مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة تتطلب موطئ قدم على البحر الأحمر، بينما ترى أسمرة في هذا الخطاب مبرراً ذريعاً لما تصفه بـ «محاولة الغزو والاستيلاء» التي تنتهجها القيادة في أديس أبابا، مما يضع البلدين على حافة مواجهة عسكرية غير مسبوقة منذ توقيع اتفاقية السلام التاريخية في عام 2018.
تداعيات هذا التوتر لا تقف عند حدود الدولتين، بل تمتد لتلقي بظلالها القاتمة على استقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو ممر مائي يشهد بالفعل تحديات أمنية كبيرة. إن انزلاق الجارين نحو صراع مسلح سيؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة، ويهدد بعرقلة خطوط التجارة العالمية، كما سيعطي الفرصة لقوى خارجية للتدخل في الشؤون الداخلية للمنطقة تحت مبررات أمنية. ويشير المراقبون إلى أن غياب قنوات التواصل الدبلوماسي الحقيقية يجعل من التصعيد الميداني احتمالاً وارداً في ظل حشد القوات على جانبي الحدود، مما يستوجب تحركاً دولياً وإقليمياً عاجلاً لنزع فتيل الأزمة قبل فوات الأوان.
ختاماً، تظل قضية ميناء عصب بمثابة برميل بارود في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة التوازنات السياسية. إن الحل لن يكون عبر التلويح بالقوة العسكرية أو تبادل التهم بتمويل التمرد، بل من خلال حوار استراتيجي يعترف بحق إثيوبيا في التنمية ووصولها للمنفذ البحري، وبحق إريتريا الكامل في سيادتها الوطنية. إن مستقبل المنطقة يتوقف على حكمة القيادات في أسمرة وأديس أبابا، وقدرتهما على تجاوز عقد الماضي والانخراط في شراكة اقتصادية بدلاً من سياسة المحاور والحروب التي لن تجلب إلا الدمار والفقر لشعوب المنطقة التي تتوق إلى الاستقرار والتنمية.