غارات مسيّرة تستهدف قوات إريترية داخل إثيوبيا: تصعيد خطير يهدد استقرار القرن الأفريقي
شهدت منطقة شمال إثيوبيا ليلة أمس تصعيداً مقلقاً وغير متوقع، حيث أفادت منظمة أمريكية معنية بمراقبة الصراعات بتعرض قوات إريترية لغارات بطائرات مسيّرة. يأتي هذا التطور ليُعيد إلى الواجهة ملف الوجود العسكري الإريتري داخل الأراضي الإثيوبية، والذي طالما كان نقطة خلاف وتوتر، ويُلقي بظلال من القلق على الاستقرار الهش في منطقة القرن الأفريقي التي تعاني أصلاً من تحديات أمنية وسياسية معقدة. هذه الغارات، التي لم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن، تمثل خرقاً محتملاً لأي تفاهمات سابقة وتُنذر بتجدد دوامة العنف في إقليم يشهد محاولات دؤوبة لترسيخ السلام بعد سنوات من النزاع.
تتعمق جذور هذه التطورات في الصراع الإثيوبي الذي اندلع في إقليم تيغراي بين الحكومة الفيدرالية وقوات جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) في أواخر عام 2020. فخلال هذا الصراع، لعبت القوات الإريترية دوراً محورياً في دعم الجيش الإثيوبي ضد الجبهة، وهو تدخل أثار انتقادات دولية واسعة ودعوات متكررة لانسحابها. وبالرغم من توقيع اتفاقية سلام بريتوريا في نوفمبر 2022 بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي، والتي تضمنت بنوداً تدعو إلى انسحاب القوات الأجنبية والمتحالفة، إلا أن تقارير عديدة أشارت إلى استمرار وجود القوات الإريترية في بعض المناطق الشمالية من إثيوبيا، وهو ما كان سبباً في استمرار التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
إن الغموض الذي يكتنف هوية الجهة المنفذة لهذه الغارات الجوية يزيد من تعقيد المشهد ويفتح الباب أمام تكهنات متعددة. فهل هي بقايا لقوات تيغراي المعارضة التي لا تزال تمتلك القدرة على شن مثل هذه الهجمات؟ أم أن هناك فصائل داخلية إثيوبية ترى في الوجود الإريتري تهديداً لسيادة البلاد وتسعى لإنهائه بالقوة؟ لا يمكن استبعاد أيضاً احتمال وجود أطراف أخرى تسعى لاستغلال هذه الظروف لإشعال فتيل صراع جديد يخدم أجنداتها الخاصة. إن استخدام الطائرات المسيّرة يشير إلى درجة من التخطيط والقدرة التقنية، مما يجعل من تحديد المسؤولية خطوة حاسمة لتهدئة الأوضاع ومنع أي تصعيد عسكري محتمل.
تثير هذه الغارات مخاوف جدية بشأن مستقبل اتفاق السلام في إقليم تيغراي وإمكانية تمدد الصراع ليشمل أبعاداً إقليمية أوسع. فالقرن الأفريقي بطبيعته منطقة مترابطة، وأي تصعيد في إثيوبيا أو إريتريا يمكن أن يكون له تداعيات مباشرة على دول الجوار مثل السودان والصومال وجيبوتي. إن أي رد فعل إريتري محتمل على استهداف قواتها، سواء كان عسكرياً أو دبلوماسياً، قد يُعرّض الجهود المبذولة لترسيخ السلام والاستقرار في المنطقة للخطر. كما أن استمرار التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وهما دولتان لهما تاريخ معقد من العلاقات، يمثل عائقاً أمام التنمية والازدهار في المنطقة التي تعاني أصلاً من تحديات اقتصادية وإنسانية جمة.
يدعو هذا التطور المقلق إلى تحرك عاجل من المجتمع الدولي والأطراف الإقليمية المعنية لدعوة جميع الأطراف إلى ضبط النفس والامتناع عن أي أعمال قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد. من الضروري إجراء تحقيق مستقل وشفاف في هذه الحادثة لتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم، وضمان احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها. كما يجب تجديد الدعوات لانسحاب جميع القوات الأجنبية من الأراضي الإثيوبية بما يتوافق مع اتفاقيات السلام، وتعزيز آليات بناء الثقة والحوار بين إثيوبيا وإريتريا لضمان عدم تحول هذه الأحداث إلى شرارة لحروب إقليمية مدمرة جديدة.
في الختام، تمثل الغارات الجوية التي استهدفت القوات الإريترية داخل إثيوبيا نقطة تحول خطيرة قد تُعيد رسم خرائط الصراع والتحالفات في منطقة القرن الأفريقي. إنها تذكير صارخ بالهشاشة الأمنية التي لا تزال المنطقة تعيشها، وبأن السلام المستدام يتطلب أكثر من مجرد توقيع اتفاقيات؛ بل يحتاج إلى التزام حقيقي من جميع الأطراف بالانسحاب والتهدئة وبناء الثقة. فدون معالجة الأسباب الجذرية للتوتر واحترام سيادة الدول، ستظل المنطقة عرضة لاندلاع صراعات جديدة قد تكون تداعياتها وخيمة على شعوبها وعلى الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.