إثيوبيا تستعيد مكالا: هل ينهي سقوط عاصمة تيغراي فصلاً دامياً أم يفتح أبواباً جديدة للصراع؟

إثيوبيا تستعيد مكالا: هل ينهي سقوط عاصمة تيغراي فصلاً دامياً أم يفتح أبواباً جديدة للصراع؟ - تابع تفاصيل الخبر وآخر المستجدات الحصرية والتحليلات الشاملة لحظة بلحظة.
إثيوبيا تستعيد مكالا: هل ينهي سقوط عاصمة تيغراي فصلاً دامياً أم يفتح أبواباً جديدة للصراع؟


في تطور ميداني حاسم يقلب موازين الصراع المستمر منذ شهور، أكدت ثلاثة مصادر لوكالة رويترز للأنباء، اليوم الأحد، أن القوات الحكومية الإثيوبية وميليشيات متحالفة معها، نجحت في استعادة السيطرة الكاملة على مدينة مكالا، عاصمة إقليم تيغراي شمال إثيوبيا. هذا الإنجاز العسكري يمثل نقطة تحول محورية في النزاع الذي بدأ في نوفمبر 2020، عندما شنت الحكومة الفيدرالية عملية عسكرية واسعة النطاق ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF)، الحزب الحاكم آنذاك في الإقليم. استعادة مكالا، التي كانت رمزاً لمقاومة الجبهة الشعبية واستقلالها الذاتي، لا تضع فقط تحدياً كبيراً أمام مستقبل هذه الجبهة، بل تطرح تساؤلات جدية حول مسار السلام والاستقرار في منطقة القرن الإفريقي برمتها.

يعود جذور الصراع في تيغراي إلى عقود من التوترات السياسية والعرقية، حيث هيمنت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على المشهد السياسي الإثيوبي لأكثر من 27 عاماً قبل صعود رئيس الوزراء أبي أحمد إلى السلطة في عام 2018. أدت إصلاحات أبي أحمد، التي تضمنت تهميش نفوذ الجبهة الشعبية، إلى تصاعد التوتر بين أديس أبابا ومكالا. بلغ الخلاف ذروته في سبتمبر 2020 عندما أجرى إقليم تيغراي انتخاباته الخاصة، متجاهلاً قرار الحكومة الفيدرالية بتأجيل جميع الانتخابات بسبب جائحة كوفيد-19، مما اعتبرته أديس أبابا تحدياً سافراً لسلطتها. لم يمض وقت طويل قبل أن تندلع الشرارة الأولى للصراع في نوفمبر من نفس العام، عندما اتهمت الحكومة الفيدرالية قوات الجبهة الشعبية بمهاجمة قواعد عسكرية تابعة لها في الإقليم، لترد أديس أبابا بعملية عسكرية واسعة أدت إلى سيطرتها الأولية على مكالا.

لكن مسار المعارك لم يكن خطياً، فبعد فترة من الانسحاب والتراجع تكتيكياً، تمكنت قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي من استعادة مكالا في يونيو 2021، ما أثار دهشة الكثيرين ووجه ضربة قوية لمصداقية الحكومة الفيدرالية وقدرتها على فرض سيطرتها. هذه الاستعادة المفاجئة عكست القدرة التعبوية للجبهة وشعبية معينة لها داخل الإقليم. وعلى مدى الأشهر الماضية، شهد الإقليم ومنطقة أمهرة وعفر المجاورتان معارك ضارية، تخللها اتهامات متبادلة بانتهاكات حقوق الإنسان وأزمة إنسانية متفاقمة تركت الملايين في حاجة ماسة للمساعدة. إن عودة القوات الحكومية وميليشيات أمهرة المتحالفة إلى مكالا الآن، بعد أشهر من الكر والفر، تشير إلى تحول استراتيجي وربما إعادة ترتيب للأوراق على الساحة العسكرية، لكنها لا تعني بالضرورة نهاية سريعة للصراع.

السيطرة على مكالا، على الرغم من أهميتها الرمزية والعسكرية، لا تضمن إنهاء المقاومة المسلحة للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي قد تلجأ إلى حرب العصابات من المناطق الجبلية الوعرة في الإقليم. كما أن التداعيات الإنسانية لاستمرار الصراع ستكون كارثية، حيث حذر خبراء من مجاعة محتملة وتفاقم أزمة النزوح الداخلي التي طالت ملايين الإثيوبيين. على الصعيد السياسي، تضع هذه الاستعادة الحكومة الفيدرالية أمام تحديات جسيمة تتمثل في كيفية التعامل مع سكان تيغراي وإدارة الإقليم بعد فترة طويلة من الصراع المرير. ستحتاج الحكومة إلى استراتيجية شاملة تتجاوز الحلول العسكرية لضمان استقرار دائم، وهي استراتيجية يجب أن تشمل المصالحة الوطنية، ومعالجة المظالم العميقة، وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة.

على الساحة الإقليمية والدولية، أثار الصراع في تيغراي قلقاً بالغاً، ودعت العديد من المنظمات الدولية والدول الكبرى إلى وقف فوري لإطلاق النار والدخول في حوار سلمي. استعادة مكالا قد تدفع المجتمع الدولي لتكثيف جهوده لإيجاد حل سياسي، مع التركيز على حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. وفيما يتعلق بالمستقبل، فإن السؤال الأهم يظل حول ما إذا كانت هذه الاستعادة تمثل فعلاً نهاية فصل دامٍ في تاريخ تيغراي، أم أنها مجرد بداية لفصل جديد من الصراع بأشكال مختلفة. إن بناء السلام المستدام في إثيوبيا يتطلب أكثر من الانتصار العسكري؛ إنه يتطلب بناء الثقة، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراع، والتزاماً حقيقياً بالعدالة والمصالحة لكافة الأطراف المعنية.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url