التضخم يشتعل في المغرب: قراءة في أرقام سبتمبر 2026 وتداعيات ارتفاع الأسعار على معيشة المواطنين
في تطور يعكس استمرار الضغوط التضخمية التي يعيشها الاقتصاد المغربي، أعلنت المندوبية السامية للتخطيط عن ارتفاع ملحوظ في الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 1 في المائة خلال شهر شتنبر من العام 2026، وذلك مقارنة بالشهر السابق. هذا الإعلان، الذي صدر يوم الخميس، يسلط الضوء على تحدٍ اقتصادي متنامٍ يلقي بظلاله على القدرة الشرائية للمواطنين، ويجعل من مسألة تكلفة المعيشة محور اهتمام رئيسي للأسر المغربية. لقد جاء هذا الارتفاع كحصيلة لتزايد أسعار المواد الغذائية بصفة خاصة، بالإضافة إلى ارتفاع طفيف في كلفة المواد غير الغذائية، مما يؤكد على أن موجة الغلاء لم تقتصر على قطاع واحد بل شملت جوانب متعددة من السلة الاستهلاكية اليومية.
يُشكل ارتفاع أثمان المواد الغذائية بنسبة 1.6 في المائة السبب الجوهري وراء هذه الزيادة العامة في مؤشر الأسعار، وهو ما يمثل ضربة موجعة للقدرة الشرائية للطبقات الاجتماعية المختلفة، خاصة الفئات ذات الدخل المحدود. فقد شهدت 'سلة الغذاء' للمغاربة 'ضغوطاً' متزايدة، حيث طال الغلاء أصنافاً رئيسية لا يمكن الاستغناء عنها، مثل اللحوم الحمراء والبيضاء التي تعتبر مصدراً أساسياً للبروتين، وكذلك أنواعاً متعددة من الخضر والفواكه التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من النظام الغذائي اليومي. هذا الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية لا يترجم فقط إلى مجرد أرقام على قوائم الأسعار، بل ينعكس مباشرة على مائدة الأسر، حيث تضطر لتقليص كميات الشراء أو البحث عن بدائل أقل جودة وأقل تكلفة، مما قد يؤثر على التغذية المتوازنة والصحة العامة للمواطنين.
لم تقتصر حمى الأسعار على قطاع الغذاء وحده، بل امتدت لتشمل المواد غير الغذائية التي سجلت بدورها ارتفاعاً بنسبة 0.4 في المائة. ويأتي على رأس قائمة المتأثرين أسعار المحروقات، التي تُعد عصب الحياة الاقتصادية الحديثة. فزيادة أسعار الوقود لا تؤثر فقط على تكلفة التنقل الشخصي، بل تتجاوز ذلك لتلقي بظلالها على كافة سلاسل الإمداد والإنتاج. من تكاليف نقل المواد الخام من الموانئ إلى المصانع، ومروراً بتكلفة تشغيل الآلات، وصولاً إلى شحن المنتجات النهائية إلى نقاط البيع، كل هذه المراحل تشهد زيادة في التكلفة تُضاف في نهاية المطاف إلى السعر النهائي للمستهلك. هذا التأثير التراكمي يجعل من غلاء المحروقات محفزاً رئيسياً للتضخم في قطاعات أخرى متعددة، من الخدمات إلى المنتجات المصنعة، مما يفاقم من الأعباء المالية على المواطنين ويحد من قدرتهم على التوفير والاستثمار.
تتعدد الأسباب الكامنة وراء هذه الموجة التضخمية التي تضرب المغرب، وتتداخل فيها العوامل الداخلية مع المتغيرات الاقتصادية العالمية. فعلى الصعيد الداخلي، قد تكون هناك تحديات مرتبطة بالإنتاج الزراعي نتيجة للتغيرات المناخية ونقص التساقطات المطرية، مما يؤثر على المعروض ويدفع بالأسعار نحو الارتفاع. أما على الصعيد الدولي، فلا يزال الاقتصاد العالمي يرزح تحت وطأة تداعيات الأزمات الجيوسياسية والصراعات الإقليمية، التي تؤثر بشكل مباشر على أسعار الطاقة والمواد الخام في الأسواق الدولية، مما ينعكس سلباً على فاتورة واردات المغرب من هذه السلع الحيوية. إن هذه الديناميكيات المعقدة تجعل من مهمة التحكم في التضخم أمراً يزداد صعوبة، ويتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار كافة الأبعاد المحلية والدولية لضمان استقرار الأسواق.
في الختام، تُشكل هذه الأرقام التي أعلنت عنها المندوبية السامية للتخطيط إشارة واضحة وداعمة لمطالبات الرأي العام بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لمواجهة تفاقم مشكلة التضخم. إن حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان وصولهم إلى السلع الأساسية بأسعار معقولة، يجب أن تكون في صدارة أولويات الحكومة والجهات المعنية. يتطلب الأمر تبني استراتيجيات متكاملة تشمل تعزيز الإنتاج المحلي، وتفعيل آليات مراقبة الأسواق للحد من الاحتكار والمضاربة، بالإضافة إلى دراسة إمكانية تقديم دعم مباشر للفئات الأكثر تضرراً، ومراجعة السياسات الضريبية والنقدية لتكون أكثر استجابة للظرفية الراهنة. إن تحقيق الاستقرار في الأسعار ليس مجرد هدف اقتصادي، بل هو ضرورة اجتماعية تضمن العيش الكريم للمواطنين وتحافظ على التوازن العام في المجتمع المغربي.