تطوان تستغيث: متى يتوقف نزيف الكفاءات الطبية وينتصر العرض الصحي؟
لم تكن زيارة وزير الصحة والحماية الاجتماعية الأخيرة إلى مستشفى سانية الرمل بمدينة تطوان مجرد حدث عابر، بل تحولت إلى صرخة مدوية كشفت عن واقع صحي منهك يتأرجح بين ضعف البنيات التحتية ونقص الموارد البشرية والتجهيزات الأساسية. هذه الزيارة سلطت الضوء مجدداً على معضلة طال أمدها، تتجلى في "نزيف الأطباء" الذي يهدد استقرار المنظومة الصحية بالمدينة ويثير قلقاً متزايداً لدى ساكنتها.
إن مصطلح "نزيف الأطباء" لا يعبر فقط عن النقص العددي للكوادر الطبية، بل هو مؤشر على ظاهرة أعمق تتعلق بهجرة الكفاءات، أو الإرهاق الشديد للمتبقين، أو عدم وجود حوافز كافية لاستقطاب أطباء جدد. هذه الفجوة تترك المستشفيات في تطوان، وعلى رأسها سانية الرمل، تواجه ضغطاً هائلاً، مما يؤثر مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمرضى، ويطيل أمد الانتظار، ويحد من قدرة المستشفى على التعامل مع الحالات الطارئة والمعقدة بفعالية.
تتجدد مع كل زيارة رسمية مطالب السكان المحليين الذين يطالبون منذ سنوات بتعزيز العرض الصحي، ليس فقط بتوفير المزيد من الأطباء، بل بتحسين شامل يمس البنية التحتية والتجهيزات البيوطبية. هذه المطالب ليست مجرد رد فعل آني، بل هي انعكاس لتحديات هيكلية متراكمة، تتمثل في غياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، وعدم كفاية الاستثمار في القطاع الصحي بالجهة، مما أدى إلى تدهور مستمر في مستوى الخدمات.
إن استمرار هذا النزيف وتفاقم النقص في الكفاءات الطبية، مقترناً بضعف الإمكانيات، يهدد بتقويض الثقة في النظام الصحي المحلي ككل. تداعيات هذا الوضع لا تقتصر على تقديم خدمات طبية متواضعة، بل تمتد لتؤثر على جودة الحياة بشكل عام وتزيد من أعباء المرضى وعائلاتهم. لذلك، لم يعد الأمر يحتمل التأجيل، ويتطلب تدخلات حقيقية وجذرية تتجاوز مجرد ترميم الأعطال الظاهرة.
لمعالجة هذه الأزمة، لا بد من تبني رؤية شاملة ترتكز على الاستثمار المستدام في العنصر البشري من خلال برامج تحفيزية للاحتفاظ بالكفاءات واستقطاب أخرى جديدة، وتوفير بيئة عمل جاذبة ومجهزة بأحدث التقنيات. كما يتوجب إعادة النظر في توزيع الموارد الصحية على المستوى الوطني لضمان عدالة الوصول للخدمات. إن مستقبل الصحة في تطوان يعتمد على هذه الإجراءات الحاسمة التي ستحول دون انهيار ما تبقى من آمال السكان في نظام صحي قوي وفعال.