ثقب أسود في ميزانيات المؤسسات العمومية: كيف تتحول التعويضات إلى جيوب خاصة؟

Are-fake-tasks-compensated-in-public-institutions-and-enterprises
ثقب أسود في ميزانيات المؤسسات العمومية: كيف تتحول التعويضات إلى جيوب خاصة؟


لقد أزاحت التقارير الرقابية الأخيرة الستار عن ممارسة أصبحت تشكل نزيفاً صامتاً ينهش جسد المؤسسات والمقاولات العمومية، وهي ظاهرة "المهام الوهمية". إن التحقيقات التي باشرتها المفتشية العامة للمالية لم تكن مجرد إجراء روتيني، بل كشفت عن نمط من الفساد الإداري الذي يتستر خلف غطاء "دفاتر التنقل" القانونية. فبدلاً من أن تكون هذه الدفاتر وسيلة لتوثيق التحركات المهنية التي تخدم الصالح العام، تحولت في أيدي البعض إلى صكوك مالية تمنح امتيازات غير مستحقة، حيث يتم تضخيم نفقات السفر أو فبركة مهام خيالية لا أثر لها على أرض الواقع، مما يفرغ ميزانية هذه المؤسسات من أموال طائلة كان يمكن توجيهها لتحسين جودة الخدمات أو الاستثمار في تطوير البنية التحتية الوطنية.

في وجهة نظري، لا يمكن اعتبار هذه الاختلالات مجرد أخطاء إدارية عابرة أو ثغرات في نظام التدبير، بل هي انعكاس لأزمة قيم وخلل في منظومة الحكامة داخل المرفق العام. إن التمادي في صرف تعويضات عن تنقلات لا وجود لها، أو مبالغة المسؤولين في استغلال ميزانيات السفر، يعكس غياب المحاسبة الفعلية وتراجع دور الرقابة الداخلية. فعندما يتحول "الريع" إلى ثقافة مؤسساتية، تصبح المؤسسة العمومية ملكية خاصة للمسؤولين بدلاً من كونها أداة تنموية، وهذا التوجه يغذي الشعور بالإحباط لدى الموظفين النزهاء ويضعف الثقة في المؤسسات التي يفترض بها أن تكون قاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

إن خطورة هذه الظاهرة تكمن في كونها تستنزف موارد مالية عمومية ضخمة كان يمكن أن تشكل الفرق في مشاريع حيوية. إن مراقبة 37 مؤسسة ومقاولة عمومية من قبل لجان التفتيش هي إشارة قوية من الدولة لضبط هذا التجاوز، لكن السؤال الحقيقي هو: هل ستكتفي هذه التقارير بكونها مجرد وثائق حبيسة الأدراج؟ إن الحاجة اليوم تتجاوز رصد الاختلالات إلى تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بصرامة لا تعرف الاستثناء. فالمسؤول الذي يوقع على أوراق مهام وهمية يرتكب جريمة في حق المال العام، ولا بد أن تقابل هذه الأفعال بإجراءات قانونية زجرية توقف هذا الاستنزاف وتسترد الأموال المنهوبة بطرق ملتوية.

من منظور تحليلي، أرى أن الحل ليس فقط في تشديد الرقابة المالية التقليدية، بل في اعتماد "الرقمنة الشاملة" لمساطر التنقل والمهمات. يجب أن يتم ربط التعويضات بآليات إثبات ملموسة، مثل تقارير الإنجاز المرفوعة رقمياً والموثقة جغرافياً، بدل الاعتماد على الورق الذي يسهل تزويره. بالإضافة إلى ذلك، يتعين تعزيز دور مجالس الإدارة ولجان التدقيق داخل المؤسسات لضمان استقلالية القرار الرقابي، وإبعاد منطق الولاءات الشخصية الذي يساهم في التغطية على هذه الممارسات. إن الشفافية في صرف التعويضات يجب أن تصبح حقاً متاحاً للاطلاع العام، ليعرف دافع الضرائب أين تذهب أمواله، وهل تُصرف فعلاً في تطوير المؤسسات أم في تمويل "سياحة إدارية" لا طائل منها.

ختاماً، إن ملف المهام الوهمية ليس إلا غيضاً من فيض في معركة الإصلاح الإداري والمالي الذي ينشده المغرب. إن بناء دولة المؤسسات يتطلب تنقية المحيط الإداري من كافة أشكال الريع، خاصة في المؤسسات العمومية التي تُعد العمود الفقري للاقتصاد الوطني. إن المحاسبة الصارمة ليست مجرد إجراء انتقامي، بل هي ضرورة وطنية لتعزيز الحكامة الجيدة وإعادة الاعتبار للمال العام. فبدون إرادة قوية لقطع دابر هذه التجاوزات، ستظل الميزانيات العمومية رهينة لجيوب المستغلين، وستبقى المؤسسات العمومية مكبلة بعجز مالي مفتعل يعيق طموحاتها الاستراتيجية. إن الوقت قد حان لتتحول "النزاهة" من شعار إلى ممارسة يومية يحاسب عليها الجميع، من الموظف البسيط وصولاً إلى المسؤولين ذوي النفوذ.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url