خيبة أمل مهنية: غياب الحوار الاجتماعي يدفع فئات بارزة نحو التصعيد
يبدو أن أجواء الترقب الممزوجة بالأمل قد تبدلت فجأة إلى خيبة أمل عميقة لدى فئات مهنية حيوية في المغرب. المهندسون والتقنيون والمتصرفون، الذين يشكلون عصب العمل الإداري والتقني في الدولة، يجدون أنفسهم اليوم أمام حالة من الإحباط الشديد. هذا الشعور ليس مجرد رد فعل عابر، بل هو نتيجة مباشرة لتعثر مسار كان يُعول عليه كثيرًا لمعالجة قضاياهم العالقة، مما دفعهم إلى التفكير جديًا في خطوات تصعيدية قد تغير موازين المشهد الاجتماعي.
السبب الجوهري وراء هذا التوتر يكمن في تأجيل أو إلغاء جلسة حاسمة من الحوار الاجتماعي المركزي، وهي الجلسة التي كان من المقرر عقدها في سبتمبر الماضي. هذا التأجيل لا يمثل مجرد تأخير إداري، بل هو انتهاك صريح لـ"ميثاق المأسسة" الذي يحدد بشكل واضح ضرورة عقد جولتين سنويًا لضمان استمرارية الحوار البناء. كانت هذه الفئات تنتظر هذه الجلسة بفارغ الصبر، على أمل عرض ملفاتها المطلبية التي طال انتظارها ومناقشة الحلول الممكنة لها مع الجهات الحكومية المعنية.
ليس من الصعب فهم حجم الإحباط الذي يعتري هذه الشرائح المهنية. فالمهندسون، التقنيون، والمتصرفون هم عصب الإدارة العمومية والعديد من القطاعات الحيوية، ويحملون على عاتقهم مسؤوليات جسيمة تسهم بشكل مباشر في تطوير البلاد. مطالبهم غالبًا ما تتعلق بتحسين ظروف العمل، تحديث الأجور لتواكب غلاء المعيشة، تطوير المسار المهني، وضمان العدالة والإنصاف في الترقيات. تجاهل هذه المطالب، أو حتى تأجيل مناقشتها دون مبرر واضح، يرسل رسالة سلبية عن مدى تقدير أدوارهم الحيوية في منظومة التنمية الوطنية.
إن تعليق الحوار الاجتماعي، خاصة عندما يكون على خلاف مع الاتفاقيات المبرمة مسبقًا، لا يمثل مجرد إجراء إداري بسيط، بل هو تصدع في جسر الثقة الذي يربط الحكومة بالشركاء الاجتماعيين. "ميثاق المأسسة" وُضع لضمان استمرارية الحوار وبناء علاقات متينة تقوم على الشفافية والالتزام المتبادل. عدم الالتزام بهذه المبادئ الأساسية يمكن أن يقوض أساسيات هذه العلاقة، مما يجعل الأجواء مشحونة بالتوتر ويهدد بتعميق الفجوة بين الأطراف، وهو ما ينعكس سلبًا على الاستقرار الاجتماعي العام.
أمام هذا الوضع، لم تجد هذه الفئات المهنية بدًا من التلويح بخطوات احتجاجية تصعيدية. هذا التوجه نحو الشارع، بعد استنفاد قنوات الحوار المفترضة، ينذر بمرحلة جديدة من التوتر والاضطراب. فالتصعيد الاحتجاجي لا يؤثر فقط على سير العمل في الإدارات والمؤسسات المعنية، بل يمكن أن يمتد تأثيره ليطال ثقة المواطنين في المؤسسات ويخلق بيئة غير مواتية للإصلاح والتنمية الشاملة التي تطمح إليها البلاد. إن إعادة تفعيل الحوار الاجتماعي والالتزام بالمواثيق ليس خيارًا، بل ضرورة ملحة.