الإشهار في زمن المنصات: المغرب يرسم خارطة طريق للسيادة الثقافية والرقمية
شهد المشهد الثقافي والإعلامي المغربي حراكاً لافتاً مع انطلاق المناظرة الوطنية حول الإشهار، وهي ليست مجرد نقاش حول آليات التسويق، بل هي خطوة استراتيجية نحو تعزيز السيادة الوطنية في الفضاء الرقمي المتنامي. يكمن الرهان الأكبر في هذه المناظرة في كيفية مواجهة التحديات التي تفرضها المنصات العالمية العملاقة على الصناعات المحلية، وفي الوقت نفسه، تسخير القوة الكامنة في هذه الصناعات لدفع عجلة التنمية المستدامة.
تُظهر الأرقام المُعلن عنها من قبل وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد بنسعيد، بوضوح الأهمية المتزايدة للصناعات الثقافية والإبداعية في الاقتصاد الوطني. لقد سجلت هذه الصناعات نمواً ملحوظاً في مساهمتها بالناتج الداخلي الخام، وخلق عشرات الآلاف من فرص العمل النوعية على مستوى البلاد. هذا التحول يؤكد أن القطاعات الإبداعية لم تعد مجرد ترف، بل هي محرك اقتصادي حيوي، وقاطرة لتشغيل الشباب في المغرب والعالم، مما يستدعي اهتماماً خاصاً وتخطيطاً مستقبلياً لتعظيم إمكاناتها.
غير أن هذا النمو يواجه تحدياً كبيراً من الهيمنة المتزايدة للمنصات الرقمية العالمية. هذه المنصات، التي غالباً ما تعمل خارج الأطر التنظيمية الوطنية، تستحوذ على جزء كبير من عائدات الإعلانات، وتؤثر على أنماط الاستهلاك الثقافي، وتطرح تساؤلات جدية حول حماية البيانات والملكية الفكرية. إنها معضلة حقيقية تتطلب من المغرب إعادة التفكير في آليات العمل، ووضع استراتيجيات تضمن قدرته على المنافسة والحفاظ على هويته الثقافية في وجه هذا المد الرقمي.
لمواجهة هذا الواقع، لا بد أن تركز المناظرة على بلورة حلول مبتكرة تتجاوز مجرد التنظيم. يجب أن تشمل هذه الحلول دعم المحتوى المغربي المحلي، وتطوير منصات رقمية وطنية قادرة على المنافسة، وتشجيع الاستثمار في المواهب الإبداعية والتكنولوجية. كما يتوجب التفكير في أطر قانونية مرنة تضمن العدالة الضريبية، وتحمي المستهلكين والمبدعين، وتخلق بيئة حاضنة للابتكار تتيح للمغرب أن يكون فاعلاً لا مجرد متلقٍ في السوق الرقمية العالمية.
في جوهرها، المناظرة حول الإشهار تتعدى حدود الإعلان التجاري لتمس قضايا أعمق تتعلق بالهوية الثقافية، والسيادة الرقمية، والمستقبل الاقتصادي للمغرب. إنها فرصة ذهبية لإعادة تحديد موقع الصناعات الثقافية والإبداعية كركيزة أساسية للتنمية، ولرسم مسار يمكن المغرب من استغلال الفرص الهائلة التي يوفرها العصر الرقمي، مع الحفاظ على خصوصيته ومصالحه الوطنية في عالم متسارع التغير.