ظل العسكر على القارة: قراءة في عقد من التحولات القسرية بأفريقيا

ظل العسكر على القارة: قراءة في عقد من التحولات القسرية بأفريقيا


ما عادت أخبار الانقلابات العسكرية في أفريقيا مجرد سطور في كتب التاريخ أو مشاهد من أفلام الحرب الباردة، بل أصبحت واقعاً متكرراً ومقلقاً على شاشاتنا. كل بضعة أشهر، تستيقظ القارة السمراء على بيانات متلفزة لضباط بوجوه متجهمة يعلنون الإطاحة برئيس وتعليق الدستور. إن الحدث الأخير في غينيا بيساو ليس سوى أحدث حلقة في مسلسل طويل من التحولات القسرية التي تعصف بأجزاء من القارة، مما يطرح سؤالاً أعمق من مجرد سرد الأحداث: لماذا الآن، ولماذا بهذا الزخم؟

لا ينبع هذا المد العسكري من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لتآكل الثقة بين الشعوب وأنظمتها الحاكمة. حينما يفشل الحكم المدني في توفير أبسط متطلبات الحياة الكريمة، من الأمن إلى الغذاء والوظائف، وحينما يتحول الفساد إلى منظومة عمل، وتُعدل الدساتير لإبقاء الزعماء في السلطة إلى الأبد، يتشكل فراغ هائل. وفي هذا الفراغ، يرى الجيش نفسه، أو يقدم نفسه، على أنه المنقذ الوحيد القادر على فرض النظام واستعادة الكرامة الوطنية، مستغلاً حالة السخط الشعبي لشرعنة استيلائه على السلطة.

من منظور جيوسياسي، يمكننا أن نرسم ما بات يُعرف بـ "حزام الانقلابات" الذي يمتد عبر منطقة الساحل الأفريقي، من مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر، وصولاً إلى دول أخرى مجاورة. هذه الدول لا تشترك في الجغرافيا فحسب، بل في التحديات أيضاً: تمدد الجماعات الإرهابية، الفقر المدقع، والتدخلات الخارجية المتضاربة. أرى أن نجاح كل انقلاب في هذه المنطقة يشجع ويغري القادة العسكريين في الدول المجاورة التي تعاني من نفس الهشاشة، مما يخلق تأثير الدومينو الذي يصعب إيقافه، خاصة مع تراجع نفوذ القوى التقليدية وفشل المنظمات الإقليمية في فرض عقوبات رادعة.

إن رد الفعل الدولي، في معظم الحالات، لم يتجاوز كونه حبراً على ورق. تبدأ القصة بدورة مفرغة من الإدانات الشكلية، تليها تهديدات بفرض عقوبات اقتصادية غالباً ما يتضرر منها المواطن العادي أكثر من النخبة العسكرية الحاكمة، ثم تنتهي بالقبول بالأمر الواقع والتعامل مع النظام الجديد تحت ذريعة "الحفاظ على الاستقرار". هذا النهج الفاتر يرسل رسالة واضحة للقادة العسكريين الطامحين: العالم سيغضب قليلاً، ثم سينسى، وستبقى لكم السلطة. غياب العواقب الحقيقية هو أحد أكبر المحفزات لاستمرار هذه الظاهرة.

في الختام، يجب أن ندرك أن الانقلاب ليس حلاً، بل هو عرض لمرض أعمق جذوره ضاربة في فشل الحوكمة والتنمية. قد يحتفل بعض المواطنين في الشوارع لحظة سقوط نظام قمعي، لكن التاريخ يعلمنا أن الحكم العسكري نادراً ما يأتي بالديمقراطية أو الرخاء. إنه غالباً ما يقود إلى قمع أشد، وعزلة دولية، وتأجيل حقيقي لبناء دولة المؤسسات. الحل الحقيقي لا يكمن في البزة العسكرية، بل في بناء أنظمة ديمقراطية حقيقية تستجيب لتطلعات شعوبها، وتوفر العدالة والفرص للجميع، وتجعل من فكرة الانقلاب ذاتها أمراً لا يمكن تصوره.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url