من ضفاف النيل إلى دلتا الميكونغ: مصر وفيتنام ترسمان ملامح شراكة استراتيجية جديدة
في خضم الزخم الدبلوماسي لقمم الكبار، حيث تتجه الأنظار نحو القوى الاقتصادية العظمى، غالبًا ما تُكتب الفصول الأكثر أهمية في الكواليس. اللقاء الذي جمع بين رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي ونظيره الفيتنامي فام مينه تشين، على هامش قمة العشرين، ليس مجرد لقاء بروتوكولي، بل هو نافذة تطل على مستقبل العلاقات بين دولتين صاعدتين تملكان طموحًا مشتركًا لتجاوز دورهما الإقليمي إلى فضاء عالمي أوسع.
يكمن جوهر هذا التقارب في التشابه العميق بين مسارَي التنمية في كلا البلدين. فمصر، التي تسعى لتنويع اقتصادها وتعميق قاعدتها الصناعية، تجد في فيتنام نموذجًا ملهمًا لـ "النمر الآسيوي" الذي حقق قفزات هائلة في التصنيع والتصدير. من جهتها، ترى فيتنام في مصر بوابة استراتيجية نحو أسواق أفريقيا والشرق الأوسط الشاسعة. هذا اللقاء هو إدراك متبادل بأن التعاون بين دول الجنوب لم يعد خيارًا، بل ضرورة حتمية لتحقيق الاستقرار والنمو في عالم متغير.
يتجاوز الحديث حدود الدبلوماسية العامة ليدخل في صلب المصالح المشتركة. يمكننا أن نتخيل مباحثات تدور حول تبادل الخبرات في مجالات حيوية مثل الاستزراع السمكي والزراعة عالية التقنية، وهما مجالان تتميز فيهما الدولتان. كما أن قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات، والمنسوجات، والسياحة تمثل أرضًا خصبة لضخ استثمارات متبادلة وتنمية حجم التبادل التجاري الذي لا يزال دون الطموحات. إن بناء جسور اقتصادية متينة بين القاهرة وهانوي يعني فتح آفاق جديدة للشركات في كلا البلدين.
من منظور جيوسياسي أوسع، يحمل هذا اللقاء دلالات بالغة الأهمية. في عالم يشهد استقطابًا متزايدًا، تسعى دول مثل مصر وفيتنام إلى خلق مساحة للمناورة وبناء شبكة من الشراكات المتنوعة التي تمنحها استقلالية استراتيجية. لم يعد العالم يدار من عاصمة أو عاصمتين، وهذا التقارب هو تجسيد عملي لهذه الحقيقة الجديدة، حيث تبحث القوى الصاعدة عن حلفاء يشاركونها الرؤية في بناء نظام عالمي أكثر توازنًا وعدالة.
في الختام، يجب ألا ننظر إلى هذا الاجتماع رفيع المستوى على أنه مجرد خبر عابر في نشرة إخبارية. إنه يمثل بذرة لشراكة واعدة قد تزهر في السنوات القادمة، محولة الطموحات المشتركة إلى مشروعات ملموسة تعود بالنفع على الشعبين. الكرة الآن في ملعب اللجان الوزارية والقطاع الخاص في البلدين لترجمة هذه الإرادة السياسية إلى واقع اقتصادي، ورسم فصل جديد في كتاب العلاقات المصرية الفيتنامية.