تفاؤل حكومي في مواجهة التحديات: تحليل توقعات النمو الاقتصادي لعام 2025
في خضم المشهد الاقتصادي العالمي المتقلب، حيث تلوح في الأفق تحديات التضخم وتباطؤ حركة التجارة الدولية، يبرز التفاؤل الحكومي المغربي كقوة دافعة تسعى لتحقيق الاستقرار والنمو. جاء إعلان رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، عن توقعات نمو تصل إلى 4.8% بحلول نهاية عام 2025، ليرسم صورة إيجابية للمستقبل الاقتصادي للمملكة. هذا الرقم، الذي يأتي بعد تحقيق نسبة نمو متواضعة نسبياً بلغت 3.8% في عام 2024 (بزيادة طفيفة عن 3.7% في 2023)، يمثل طموحاً كبيراً في ظل الظروف الراهنة. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: ما هي الركائز التي تعتمد عليها الحكومة لتحقيق هذه القفزة النوعية، وهل هذه التوقعات واقعية في مواجهة التحديات الهيكلية القائمة؟ إن تحليل هذه الأرقام يتطلب تجاوز السطح والنظر إلى العوامل الأساسية التي تحدد مسار الاقتصاد الوطني، بدءاً من تأثير القطاع الفلاحي وصولاً إلى الديناميكية الجديدة للاستثمار العمومي.
لا يمكن قراءة التوقعات الحكومية بمعزل عن التحديات العالمية والمحلية التي شكلت ضغوطاً هائلة على الاقتصاد الوطني خلال السنوات الأخيرة. ففي الوقت الذي تتعافى فيه اقتصادات عالمية كبرى ببطء من تداعيات الجائحة والصراعات الجيوسياسية، يواجه المغرب تحدياً هيكلياً مزدوجاً: تقلبات القطاع الفلاحي وتأثيرها المباشر على الناتج المحلي الإجمالي، واستمرار الضغوط التضخمية التي تؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين. إن الارتفاع الطفيف في نسبة النمو بين عامي 2023 و 2024، والذي لم يتجاوز 0.1%، يشير إلى أن الاقتصاد كان يعمل في ظل ضغوط كبيرة، وأن أي تحسن كان مدفوعاً بعوامل مؤقتة أو بجهود حكومية للتحفيز المباشر. تحقيق قفزة بنسبة نقطة مئوية كاملة في عام واحد (من 3.8% إلى 4.8%) يتطلب حدوث متغيرات إيجابية كبيرة، أبرزها انتعاش ملحوظ في القطاع الزراعي بفضل الظروف المناخية المواتية المتوقعة، وهو ما يظل رهناً بعوامل طبيعية خارجة عن السيطرة المباشرة للسياسة الاقتصادية.
من أجل تحقيق هذا النمو الطموح، تعتمد الحكومة على تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية وتنويع مصادر النمو بعيداً عن الاعتماد المفرط على الفلاحة. يعد النموذج التنموي الجديد، والاستراتيجيات القطاعية الطموحة، مثل الاستثمار في الصناعة الخضراء والطاقات المتجددة، والتحول الرقمي، من أهم محركات النمو المتوقعة. كما أن الاستعدادات الجارية لاستضافة الأحداث الرياضية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030، تضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية والقطاعات اللوجستية والسياحية. هذه الاستثمارات الحكومية، بالرغم من أهميتها، تحتاج إلى تفعيل القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر للاستفادة من كامل إمكاناتها. يجب أن تعمل الحكومة على تسهيل الإجراءات الإدارية وتوفير بيئة أعمال جاذبة لضمان أن تتحول التوقعات الرقمية إلى واقع ملموس، لا سيما في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية التي تخلق فرص عمل مستدامة للشباب.
ومع ذلك، فإن مجرد تحقيق نسبة نمو عالية لا يعني بالضرورة تحسناً مباشراً في حياة المواطن العادي. فالنمو الاقتصادي الحقيقي يجب أن يقترن بتوزيع عادل للثروة ومكافحة التضخم الذي يلتهم مكاسب النمو. يواجه المغرب تحدياً اجتماعياً كبيراً يتمثل في الفجوة المتزايدة بين الأرقام الكلية ومستوى المعيشة اليومي للأفراد. لا يزال معدل البطالة، خاصة بين الشباب، يمثل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد والمجتمع. لذا، يجب أن تتركز السياسات الحكومية ليس فقط على تحقيق رقم نمو أعلى، بل أيضاً على نوعية هذا النمو. هل هو نمو قائم على الاستهلاك المدفوع بالدين، أم نمو مستدام قائم على الإنتاج وخلق فرص العمل اللائقة؟ إن التحدي الأكبر للحكومة هو ترجمة هذه التوقعات الإيجابية إلى تحسن ملموس في مؤشرات التنمية البشرية، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وضمان أن يشعر المواطن العادي بثمار هذا الانتعاش الموعود.
في الختام، يمكن القول إن توقع الحكومة تحقيق نمو بنسبة 4.8% في عام 2025 يعكس نبرة تفاؤلية ضرورية لإدارة التحديات الحالية. هذه التوقعات تستند إلى فرضيات معينة، منها انتعاش القطاع الفلاحي واستمرار زخم الاستثمار العمومي. لتحويل هذا الطموح إلى حقيقة، يتطلب الأمر أكثر من مجرد إعلانات؛ إنه يتطلب تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة، وتعزيز تنافسية القطاع الخاص، ومواجهة التحديات المناخية بجدية من خلال حلول مستدامة. إن تحقيق نمو يقترب من 5% هو هدف يمكن تحقيقه، ولكنه يضع الحكومة أمام مسؤولية تاريخية لضمان أن يكون هذا النمو شاملاً ومستداماً، وأن ينعكس إيجاباً على رفاهية جميع المواطنين، وليس مجرد تحسين في الأرقام الإحصائية.