المعادلة الجديدة في بورنو: هل يغير التركيز على لوجستيات الإرهاب قواعد اللعبة؟
في صراع يمتد لأكثر من عقد من الزمان، أصبحت ولاية بورنو النيجيرية مرادفًا لمعادلة معقدة من التحديات الأمنية والاجتماعية. بينما تتسارع وتيرة الأخبار العاجلة عن الاشتباكات والهجمات الإرهابية، يظل التركيز غالبًا على نتائج المعارك المباشرة. ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى تحول استراتيجي محتمل في نهج الجيش النيجيري، وهو تحول يركز بشكل متزايد على تقويض البنية التحتية اللوجستية للجماعات المتطرفة. العمليات العسكرية الأخيرة، وتحديداً الضربات الجوية التي استهدفت معاقل الإرهابيين ومراكز إمدادهم، ليست مجرد رد فعل على الهجمات، بل هي مؤشر على فهم أعمق لـ 'مركز ثقل' هذه الجماعات. ففي حروب العصابات والحرب غير المتكافئة، لا يكمن القضاء على التهديد في قتل أكبر عدد ممكن من المقاتلين، بل في تجفيف مصادر دعمهم وقدرتهم على الحركة والاستمرارية. هذا التحول التكتيكي، إذا تم تنفيذه بصرامة واستدامة، يمكن أن يمثل نقطة تحول حقيقية في مسار الصراع الطويل والمرير الذي عانت منه نيجيريا ودول حوض بحيرة تشاد لعقود.
التركيز على المراكز اللوجستية، كما حدث مؤخرًا في ولاية بورنو، يمثل استراتيجية عسكرية أثبتت فعاليتها في تقويض الجيوش التقليدية والجماعات المسلحة على حد سواء. بالنسبة للجماعات الإرهابية مثل بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا (ISWAP)، فإن مراكز الإمداد ليست مجرد مخازن للأسلحة والذخيرة؛ إنها الشريان الحيوي الذي يضمن بقاءهم. ففي المناطق النائية والقاحلة، تعتمد هذه الجماعات بشكل كبير على الوقود لتشغيل مركباتهم، والمؤن الغذائية لدعم مقاتليهم، ومحطات الاتصال لتنسيق عملياتهم. إن تدمير هذه المراكز لا يؤدي فقط إلى تعطيل الهجمات المخطط لها، بل يضرب القدرة المعنوية والمادية للجماعة. عندما يفقد المقاتل مصدر طعامه ووقوده، تضعف قدرته على التحمل والمناورة بشكل كبير، مما يقلل من جاذبية الانضمام إلى الجماعة ويزيد من احتمالية انشقاق الأفراد. هذا النهج يتطلب دقة استخباراتية عالية، حيث يجب تحديد الأهداف بدقة لتجنب الخسائر الجانبية، وضمان أن الضربات تستهدف فعليًا البنية التحتية الحيوية للجماعات الإرهابية بدلاً من مجرد ملاحقة خلايا صغيرة متفرقة.
بالنظر إلى سياق الصراع الأوسع، يجب فهم أن ما يحدث في بورنو ليس بمعزل عن التوترات الإقليمية. فالحرب ضد الإرهاب في نيجيريا هي جزء من أزمة أمنية أوسع نطاقاً تؤثر على حوض بحيرة تشاد بأكمله، بما في ذلك النيجر وتشاد والكاميرون. هذه الجماعات الإرهابية، سواء كانت بوكو حرام بقيادة شيكاو (الذي تم القضاء عليه) أو ISWAP التي تتنافس معها على النفوذ، تستغل الحدود غير المحكمة للتنقل بين الدول، والاعتماد على شبكات التهريب لتمويل عملياتها. يمثل ISWAP حاليًا التهديد الأكبر، حيث يسعى إلى إنشاء نوع من الإدارة الموازية في المناطق التي يسيطر عليها، ويجمع الضرائب ويفرض سلطته على المجتمعات المحلية. النجاح في تدمير المراكز اللوجستية في بورنو يرسل رسالة قوية إلى هذه الجماعات، مفادها أن الجيش النيجيري أصبح أكثر قدرة على اختراق شبكاتهم الداخلية، مما يزيد من الضغط على قياداتهم العليا ويصعب عليهم التجنيد والسيطرة على الأراضي. ومع ذلك، يظل التحدي الإقليمي قائمًا، ويتطلب تعاونًا استخباراتيًا وعسكريًا أعمق بين الدول المتضررة لمنع تحرك الإرهابيين عبر الحدود والهروب من الضغط العسكري.
على الرغم من أهمية هذه النجاحات التكتيكية الأخيرة، من الضروري التعامل معها بحذر وتجنب التفاؤل المفرط. ففي الماضي، شهدت نيجيريا إعلانات متكررة عن نجاحات كبيرة ضد بوكو حرام، فقط لتكتشف أن الجماعات تعيد تجميع صفوفها وتتكيف مع التحديات الجديدة، غالبًا عن طريق الانقسام إلى خلايا أصغر وأكثر مرونة. المشكلة الأساسية في شمال شرق نيجيريا تتجاوز الجانب العسكري. إنها تتجذر في الفقر المدقع، وغياب الخدمات الحكومية، وتهميش الشباب، وتفشي الفساد الذي يعيق الجهود العسكرية والإنسانية. لا يمكن للعمليات العسكرية وحدها أن تحقق سلامًا مستدامًا؛ يجب أن تُستكمل بجهود لإعادة تأهيل المناطق المحررة، وتوفير فرص العمل، وإعادة دمج النازحين داخليًا. إن إستراتيجية القلوب والعقول (Hearts and Minds) ضرورية لإقناع المجتمعات المحلية بأن الجيش والحكومة يمكنهما توفير الأمن والفرص، مما يقطع خطوط إمداد الجماعات الإرهابية البشرية والمالية. الفشل في معالجة هذه الجوانب الاجتماعية والاقتصادية سيعني أن أي نجاح عسكري سيظل مجرد حل مؤقت، حيث ستجد الجماعات الإرهابية دائمًا أرضية خصبة للتجنيد في المناطق التي تعاني من اليأس والإهمال.
في الختام، فإن الضربات الجوية الأخيرة التي استهدفت معاقل الإرهابيين في بورنو تمثل خطوة مهمة في مسار الصراع. إنها دليل على الاستخبارات الدقيقة والقدرة العسكرية المتطورة للجيش النيجيري. ولكن لكي يتحول هذا النجاح التكتيكي إلى نصر استراتيجي دائم، يجب أن يتجاوز نطاق العمليات العسكرية المباشرة. يجب أن تكون هذه الضربات جزءًا من إستراتيجية شاملة تركز على إعادة بناء المجتمعات المحلية، وتوفير الخدمات الأساسية، وتعزيز التعاون الإقليمي. إن معركة تجفيف مصادر دعم الإرهابيين تتطلب التزامًا طويل الأمد ليس فقط في تدمير مراكز إمدادهم، بل في بناء مستقبل أفضل لسكان شمال شرق نيجيريا، يمنحهم الأمل في حياة كريمة ويجعلهم أقل عرضة لجاذبية الأيديولوجيات المتطرفة. الطريق ما زال طويلاً، لكن التركيز على البنية التحتية اللوجستية يمنح بصيصًا من الأمل في أن القيادة العسكرية بدأت تفهم أن القوة النارية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تقترن بالذكاء الاستراتيجي والبناء الاجتماعي.