تحرير السيادة: العراق يغلق الباب على 22 عاماً من الوصاية الأممية

تحرير السيادة: العراق يغلق الباب على 22 عاماً من الوصاية الأممية


الإعلان الذي أطلقه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من بغداد، يحمل ثقلاً تاريخياً يتجاوز مجرد إنهاء مهمة إدارية. إعلان انتهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) بعد اثنين وعشرين عاماً كاملة، يمثل نقطة تحول حاسمة في المسار السياسي والسيادي للعراق الحديث. فمنذ اللحظات الأولى التي أعقبت التدخل الدولي في عام 2003، ثم مراحل إعادة البناء المضطربة، وصولاً إلى مواجهة الإرهاب، كانت هذه البعثة حاضرة كشاهد، ومُيسّر، ورافعة أحياناً للجهود الإنسانية والسياسية. هذا القرار، الذي جاء استجابة لطلب صريح من الحكومة العراقية، ليس مجرد إجراء روتيني؛ بل هو إعلان سيادي جريء يفصح عن رغبة بغداد في إدارة شؤونها بالكامل، مؤكدة أن مرحلة 'الوصاية' أو 'المساعدة المشددة' قد انقضت. تصريح غوتيريش بأن العراق أصبح 'دولة طبيعية' تدخل مرحلة جديدة من الاستقرار، وإن كان يحمل بعض التفاؤل السياسي الضروري في مثل هذه المناسبات، فإنه يضع المسؤولية كاملة على عاتق المؤسسات العراقية التي يتعين عليها الآن إثبات قدرتها على إدارة التحديات المعقدة بعيداً عن عين الرقيب الأممي. إن طي صفحة 'يونامي' يرمز إلى انتقال رمزي من كون العراق ساحة للصراع والتدخلات، إلى دولة تسعى لتثبيت أركانها، لكن هذا الانتقال يفتح البزانة على تساؤلات أعمق حول معنى 'الاستقرار' الحقيقي في بلد لا يزال يتأرجح بين الفصائلية والمطالب الاقتصادية والاجتماعية غير الملباة.

إن وصف الأمين العام للأمم المتحدة للعراق بأنه تحول إلى 'دولة طبيعية' يستدعي وقفة تحليلية عميقة. ففي سياق الدبلوماسية الدولية، قد يعني هذا المصطلح أن الدولة قد استعادت سيادتها القانونية الكاملة، وأقامت علاقات دولية مستقرة، وأجرت انتخابات دورية. لكن إذا نظرنا إلى التعريف بمعيار 'الطبيعية' الداخلية، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيداً ودهشة. صحيح أن العراق حقق إنجازات أمنية هائلة، خاصة في دحر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ونجح في تثبيت دورات انتخابية متعددة. لكن 'الطبيعية' الحقيقية تتطلب أكثر من مجرد غياب الحرب المفتوحة؛ إنها تتطلب هيكلاً اقتصادياً مُعافى، ومكافحة فعالة للفساد المستشري الذي يُهدد نسيج الدولة، ونظاماً سياسياً يتمتع بثقة غالبية المواطنين. إن التحدي الأكبر الذي يواجه العراق اليوم هو كيفية ترجمة الاستقرار الأمني الظاهري إلى استقرار مؤسساتي مستدام. هل يمكن اعتبار دولة تتصارع فيها الفصائل المسلحة وتتداخل فيها الولاءات الإقليمية، وتمثل فيها الإيرادات النفطية تقريباً المصدر الوحيد للدخل، دولة 'طبيعية' بالمعنى الكامل للكلمة؟ وجهة نظري هي أن بيان غوتيريش هو إعلان سياسي لإتمام المهمة، وليس تقييماً شاملاً للواقع الاجتماعي والسياسي. إنه يمنح الحكومة العراقية شهادة حسن سير وسلوك دولية، لكن الامتحان الحقيقي يقع على عاتقهم لتأمين مستقبل لا يُضطر فيه المواطن للاعتماد على الميليشيات أو المحاصصة الطائفية للحصول على حقوقه الأساسية. التحول من 'مركز أزمة' إلى 'دولة طبيعية' يتطلب إصلاحات هيكلية مؤلمة لم يتم الانتهاء منها بعد.

إن قرار بغداد بطلب إنهاء مهمة يونامي هو في جوهره فعل سيادي بامتياز، وينبع من رغبة واضحة في استعادة السيطرة الكاملة على السرد الوطني. بعد 22 عاماً، أصبح وجود بعثة دولية ذات صلاحيات واسعة في مجالات المساعدة الانتخابية والمصالحة وحقوق الإنسان، عبئاً سياسياً على النخبة الحاكمة في العراق. فبالنسبة للعديد من الفصائل والتيارات الوطنية، يمثل الوجود الأممي المستمر شكلاً من أشكال الانتقاص من السيادة الوطنية، وتذكيراً مؤلماً بفترة ما بعد الغزو. لقد نجحت الحكومة العراقية، عبر هذا الطلب، في إرسال رسالة قوية داخلياً وخارجياً: نحن لسنا بحاجة إلى وصاية أو مراقبة دولية مباشرة لإدارة مؤسساتنا. هذا القرار يخدم أجندة سياسية داخلية، حيث يسعى رئيس الوزراء والحكومة إلى ترسيخ شرعية قائمة على 'الاستقلال التام' في مواجهة الضغوط الشعبية والبرلمانية. لكن، في المقابل، يثير هذا الانسحاب مخاوف مشروعة بشأن سد الفراغ الذي ستتركه البعثة، خاصة فيما يتعلق بمسائل حساسة مثل الوساطة بين بغداد وإقليم كردستان، ومراقبة حقوق الإنسان، ودعم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. فدور يونامي كان غالباً بمثابة 'صمام أمان' أو 'طرف محايد' تستطيع الفصائل المتناحرة اللجوء إليه لتجنب الانهيار التام للمفاوضات. الآن، يقع عبء بناء الثقة والوساطة بشكل كامل على المؤسسات العراقية، التي يجب أن تثبت أنها قادرة على لعب دور الحكم النزيه والموثوق.

عند تقييم إرث يونامي خلال عقدين من الزمن، يجب الاعتراف بأنها عملت في بيئة بالغة الخطورة والتعقيد. لم تكن يونامي قوات قتالية، بل كانت بعثة سياسية وإنسانية تعرضت لأبشع الهجمات، أبرزها تفجير مقرها في 2003 الذي أودى بحياة الممثل الخاص للأمين العام آنذاك، سيرجيو فييرا دي ميلو، وعدد كبير من الموظفين. لقد تميز عمل البعثة بالازدواجية: فمن جهة، قدمت دعماً لوجستياً وفنياً لا يُستهان به لإجراء الانتخابات، وساهمت في تنسيق الجهود الإنسانية خاصة خلال سنوات الصراع مع داعش، ولعبت دوراً خلف الكواليس في تسهيل الحوار بين الأطراف السياسية المتنافرة. ومن جهة أخرى، كثيراً ما وُجّهت إليها انتقادات بأن تأثيرها الفعلي على أرض الواقع كان محدوداً، خصوصاً في كبح جماح التدخلات الإقليمية أو معالجة الخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها بعض الميليشيات. لقد كانت البعثة رهينة لميزان القوى الداخلي، ولم تكن تملك أدوات التنفيذ القسرية. فشلها لم يكن في سوء النية، بل في محدودية الصلاحيات في ظل بيئة متفجرة. يظل أهم إرث ليونامي هو تأسيس آليات العمل الديمقراطي والانتخابي، لكن الأسئلة العالقة حول الفساد وتوزيع الثروة والنزاعات الحدودية بين بغداد وأربيل ما زالت تحتاج إلى جهد وطني خالص لا يستطيع أي طرف خارجي حله، وهذا يبرر جزئياً رغبة العراقيين في تسلم زمام الأمور بأنفسهم.

مع خروج البعثة الأممية، ينتقل العراق إلى مرحلة ‘ما بعد المساعدة’، وهي مرحلة تتطلب نضجاً سياسياً غير مسبوق. التحديات القائمة اليوم لا تتعلق بالانتخابات أو الإغاثة الإنسانية (وإن كانت مهمة)، بل تتعلق بمسائل الوجود والديمومة. يجب على القيادة العراقية أن تستفيد من انسحاب يونامي كفرصة لتوحيد الصفوف وبناء مؤسسات قوية تتجاوز المصالح الفئوية الضيقة. إن النجاح الحقيقي لن يُقاس بانتهاء مهمة الأمم المتحدة، بل بقدرة بغداد على تنفيذ إصلاحات اقتصادية جذرية تنهي الاعتماد شبه الكلي على النفط، وتخلق فرص عمل للشباب، وتحاصر الفساد الذي يلتهم ثروات البلاد. كما أن عليها مهمة بناء علاقة متوازنة مع محيطها الإقليمي، بعيداً عن سياسة المحاور، لضمان أن تكون أرض العراق جسراً للتواصل بدلاً من أن تكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. إن إنهاء الفصل الأممي هو خطوة شجاعة نحو السيادة الكاملة، لكنها تأتي مصحوبة بمسؤولية ضخمة. المستقبل العراقي يعتمد الآن على قدرة قادته على إثبات أن 'الطبيعية' التي تحدث عنها غوتيريش ليست مجرد شعار سياسي، بل واقع معيشي يتمتع فيه كل مواطن بالعدالة والأمن الاقتصادي والكرامة الوطنية التي تستحقها حضارة بلاد الرافدين العظيمة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url