هجرة الكفاءات الإدارية: كيف تجمّد 'الوكالة المغربية للأدوية' مفاوضات الصيادلة؟
تشهد هياكل الحوكمة الصحية في المغرب تحدياً هيكلياً غير مسبوق، قد يهدد مسار الإصلاحات الطموحة التي تسعى إليها المملكة في قطاع الأدوية والمنتجات الصحية. ففي الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تكون الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية (AMPS) الركيزة التقنية والعلمية للمناقشات القطاعية، برزت أزمة داخلية عميقة تتمثل في نزيف متسارع للكفاءات. هذه الأزمة ليست مجرد خلل وظيفي بسيط، بل هي بمثابة صاعق أوقف تماماً الحوار الحيوي والمهم بين النقابات الممثلة للصيادلة وبين وزارة الصحة والحماية الاجتماعية. إن خروج غالبية الموظفين المؤسسين للوكالة، وعودتهم إلى مناصبهم السابقة داخل الوزارة الأم، يعكس خللاً في البنية التأسيسية لهذه الهيئة المستقلة. وكان هذا الحوار المجمّد يرتكز على ملفات معقدة وحساسة، تتطلب وجود خبراء تقنيين على دراية تامة باللوائح العلمية والإجرائية لقطاع الصيدلة. وفي غياب هؤلاء الموظفين الأساسيين، الذين يشكلون الذاكرة المؤسساتية والخبرة التشغيلية للوكالة، أصبح من المستحيل على النقابات والمفاوضين الحكوميين المضي قدماً في أي محادثات جادة، ما يضع مستقبل الأمان الدوائي والمؤسساتي في البلاد على المحك، ويشير إلى ضرورة إعادة النظر في آليات استقطاب وتثبيت الكفاءات في الهيئات المستقلة حديثة النشأة.
إن المشكلة الجوهرية هنا تتجاوز مجرد 'الخصاص' العددي؛ إنها تتعلق بطبيعة العلاقة الهيكلية بين الهيئة التنظيمية الجديدة (AMPS) والوزارة التي انبثقت منها. فعادة ما يتم استقطاب الكوادر الأولية للوكالات المستقلة عبر آلية الإلحاق أو الانتداب من الهيئات الحكومية القائمة. وفي حالة الوكالة المغربية للأدوية، يبدو أن البيئة الوظيفية والحوافز المالية أو المسار المهني المقدم لم تكن كافية لخلق شعور بالاستقرار والتفوق المهني لدى الموظفين الملحقين. فإذا كان الموظف المتخصص في مجال حاسم كالتنظيم الدوائي يفضل العودة إلى وظيفته الأصلية الأقل تخصصاً داخل الوزارة، فهذا مؤشر صارخ على أن المزايا التي تقدمها الوكالة لا تتناسب مع ضخامة المسؤولية وعبء العمل الملقى على عاتقها. قد يكون السبب كامناً في عدم وضوح الرؤية المستقبلية للوكالة، أو ضعف آليات التثبيت والترقية، أو ربما وجود فروقات ملحوظة في الامتيازات مقارنة بالمناصب العليا في الوزارة. هذه التحديات اللوجستية والإدارية، إن لم يتم التعامل معها بجدية، تحول الهيئات المستقلة إلى جسر مؤقت للكفاءات بدلاً من أن تكون مستقراً دائماً لها، ما يهدد استمرارية العمل المؤسساتي ويقوض الثقة في قدرة هذه الهيئات على أداء دورها التنظيمي الحيوي بكفاءة تامة واستقلالية مطلوبة.
إن التداعيات المترتبة على شلل الحوار القطاعي لا تقتصر على الأطراف المعنية فحسب، بل تمتد لتؤثر على صحة المواطنين وأمنهم الدوائي على المدى الطويل. فالملفات التي تجمدت بسبب غياب الكفاءات التقنية في الوكالة هي ملفات مفصلية تتعلق بأسس مهنة الصيدلة الحديثة، من ضمنها تحديث مدونة الأدوية، مراجعة آليات التسعير والتسجيل، وتطوير معايير اليقظة الدوائية. هذه الجوانب تتطلب تدخلاً مباشراً وخبرة علمية دقيقة لا يمكن للجان الوزارية العامة أن توفرها بنفس الدرجة من التخصص التي تقدمها الوكالة. إن غياب ممثلين تقنيين مؤهلين من AMPS يعني أن أي اتفاق أو قرار يتخذ في الحوار سيكون ناقصاً من الناحية العلمية، أو أنه سيؤجل إلى أجل غير مسمى بانتظار استقرار الوكالة. وهذا التأخير في البت في الملفات الحساسة يعني تباطؤاً في تطبيق الإصلاحات الهيكلية المنشودة، بما في ذلك تسريع وصول الأدوية المبتكرة وتسهيل الإجراءات التنظيمية، ما يعيق خطط تحديث القطاع الصحي الوطني ويعرضه للجمود البيروقراطي. وفي النهاية، المتضرر الأكبر هو المستهلك والمريض المغربي الذي يعتمد على كفاءة هذه المؤسسات لضمان سلامة وجودة العلاج الدوائي.
من وجهة نظري، يمثل هذا التحدي الإداري لحظة حاسمة تتطلب تدخلاً سياسياً وإدارياً فورياً لإعادة هيكلة الوكالة بشكل يضمن استدامتها. إن إنشاء وكالة مستقلة بهدف تحريرها من روتين الوزارة الأم يجب أن يرافقه ضمانات مالية ومهنية تجعلها أكثر جاذبية من الناحية المهنية. لا يمكن الاستمرار في الاعتماد على نموذج الإلحاق المؤقت للموظفين الأساسيين. يتوجب على الحكومة أن تستثمر في AMPS عبر تخصيص ميزانيات تسمح بتوظيف كفاءات دائمة، ووضع نظام تعويضات ومكافآت يتناسب مع ندرة التخصصات المطلوبة وحجم المسؤولية التنظيمية التي تحملها الوكالة. كما يجب مراجعة النظام الأساسي للموظفين لضمان أن المسار الوظيفي داخل الوكالة يتفوق على نظيره في الوزارة من حيث التطور المهني والتدريب المتخصص. هذا الفشل في تثبيت الكفاءات هو دليل على التخطيط غير الكافي للمرحلة التأسيسية، وهو ما يتطلب مساءلة شفافة حول كيفية إدارة الموارد البشرية في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة. يجب أن تكون الوكالات التنظيمية الحديثة مراكز جذب للكفاءات، وليس مجرد مكاتب عابرة، وإلا فإن أي حديث عن الحوكمة الرشيدة سيبقى مجرد شعارات بلا تطبيق على أرض الواقع.
إن أزمة 'هجرة' موظفي الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية ليست مجرد عنوان في الصحف، بل هي مؤشر إنذار أحمر حول هشاشة بعض المؤسسات التي تُعد حجر الزاوية في الإصلاح الصحي. إن استعادة الحوار القطاعي، وهو مطلب ملح للنقابات ولعموم الصيادلة، لن يتم إلا عبر إعادة بناء الثقة المؤسسية في قدرة AMPS على العمل بكامل طاقتها التنظيمية والتقنية. يجب على وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بالتعاون مع الحكومة، أن تتخذ خطوات استثنائية وعاجلة ليس فقط لسد الخصاص، بل لتأمين استمرارية عمل الوكالة. هذا يتطلب تفعيل خطة طوارئ إدارية لضمان تواجد الخبراء اللازمين، حتى لو كان ذلك مؤقتاً، لاستئناف المفاوضات المتعثرة، وفي الوقت نفسه، العمل على استراتيجية طويلة الأمد لتحويل AMPS إلى بيئة وظيفية مستدامة ومستقرة. إن نجاح منظومة الأدوية الوطنية يرتبط بشكل مباشر بمدى رسوخ واستقرار هيئتها التنظيمية. وإذا لم يتم التعامل مع هذه الهجرة العكسية للكفاءات كأولوية وطنية، فإن طموحات المغرب في تحقيق سيادة دوائية وضمان جودة الرعاية الصحية قد تبقى أسيرة للتقلبات الإدارية والخصاص في الموظفين.