6,670 تذكرة ذهاب بلا عودة: هل أصبح المغرب كبش فداء لسياسات الهجرة الأوروبية؟
في خضم جدل أوروبي محتدم حول الهجرة، تبرز الأرقام كشواهد صامتة تروي قصصًا معقدة تتجاوز الإحصائيات الباردة. لكن عندما تركز تلك الأرقام، فجأة وبشكل مكثف، على جنسية واحدة، فإنها تدق ناقوس الخطر حول تحول محتمل في السياسات. هذا ما حدث بالضبط عندما أظهرت المعطيات الأوروبية الرسمية عن إصدار 6,670 أمر ترحيل يستهدف المواطنين المغاربة خلال الربع الثالث من العام الماضي، في فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز بضعة أشهر. هذا العدد ليس مجرد زيادة عادية في الروتين الإداري؛ بل هو مؤشر على تغيير جذري في استراتيجيات الهجرة الأوروبية، ورسالة واضحة لا لبس فيها. السؤال الذي يطرح نفسه بحدة: لماذا هذا التركيز المكثف على المغاربة تحديدًا في هذا التوقيت بالذات؟ هل يتعلق الأمر بتحول في سياسات الاتحاد الأوروبي نحو التشديد على دول الجوار المتوسطي، أم أن هناك عوامل داخلية في المغرب تدفع بالمواطنين نحو الهجرة بطرق غير نظامية؟
لفهم هذا الرقم الصادم، يجب أن ننظر إليه في سياقه الجيوسياسي والسياسي الداخلي الأوروبي. تشهد أوروبا حاليًا موجة صعود غير مسبوقة لليمين المتطرف، الذي جعل من قضية الهجرة رأس حربته في الانتخابات القادمة. هذا الضغط السياسي الداخلي يفرض على الحكومات الوسطية اتخاذ مواقف أكثر تشددًا لإرضاء قاعدتها الانتخابية ومواجهة السرديات المعادية للهجرة. إن تسريع إجراءات الترحيل وإصدار آلاف الأوامر ضد جنسية معينة يُعد استجابة مباشرة لهذا الضغط السياسي، ويقدم دليلًا ملموسًا للناخبين على أن الحكومات جادة في "حماية الحدود". وفي الوقت نفسه، فإن الاتحاد الأوروبي يعمل على إبرام "الميثاق الجديد للهجرة واللجوء" الذي يشدد على "الشراكة الخارجية" مع دول المنشأ والعبور، ويجعل من تسريع عمليات الإعادة إلى الوطن (Readmission) أولوية قصوى. هذا الميثاق يعتمد بشكل كبير على تصنيف بعض الدول، بما فيها المغرب، كـ"بلدان آمنة المنشأ"، وهو تصنيف يسهل إجراءات الترحيل بشكل كبير. وهكذا، فإن الرقم 6,670 يعكس التقاء ضغط اليمين الداخلي مع الأطر القانونية الجديدة التي تُسرع من تنفيذ عمليات الإبعاد.
النظر إلى الأرقام من زاوية المغرب تكشف عن تعقيدات اقتصادية واجتماعية لا يمكن تجاهلها. فبرغم أن المغرب يُعد شريكاً استراتيجيًا للاتحاد الأوروبي ويقوم بدور مهم في مكافحة الهجرة غير النظامية، إلا أن الأسباب الجذرية التي تدفع المغاربة للهجرة لا تزال قائمة بل وتزداد حدة. يعاني الشباب المغربي من تحديات كبيرة على مستوى التشغيل والآفاق المستقبلية، حيث تتركز الفرص الاقتصادية في قطاعات محددة بينما يعاني قطاع كبير من السكان من البطالة وقلة الفرص، خصوصًا في المناطق القروية والنائية. هذا التفاوت الاجتماعي والاقتصادي يخلق شعورًا بالإحباط يدفع بالآلاف للمخاطرة بحياتهم بحثًا عن فرص أفضل في أوروبا. إن تزايد أعداد المهاجرين غير النظاميين، بالرغم من كل جهود المراقبة الحدودية، هو دليل على فشل التنمية المستدامة في خلق بدائل حقيقية للهجرة. أوروبا تريد من المغرب أن يكون "حارس حدودها"، لكنها تتجاهل أن المغرب نفسه يعاني من دوافع الهجرة التي لا يمكن قمعها بالكامل عبر التضييق الأمني فقط.
إن إشكالية الهجرة بين ضفتي المتوسط تتشابك مع تناقضات الشراكة الأوروبية-المغربية. فمن جهة، يُعتبر المغرب شريكاً "مميزاً" يحصل على تمويل أوروبي لدعم برامج التنمية ومكافحة الهجرة (مثل برامج مراقبة الحدود المشتركة). ومن جهة أخرى، يتم التعامل مع مواطنيه كـ"غير مرغوب فيهم" يتم ترحيلهم بأعداد كبيرة. هذا التناقض يضع المغرب في موقف حرج: فهو ملزم بالتعاون الأمني، وفي الوقت نفسه يواجه ضغوطًا اجتماعية داخلية بسبب تفاقم ظاهرة الهجرة. الأرقام الأخيرة تشير إلى أن أوروبا لم تعد تكتفي بالترحيب بالتعاون الأمني، بل أصبحت تضغط بشكل أكبر لتسريع عمليات الإعادة، مستغلة في ذلك أي ثغرات في الوضعية القانونية للمهاجرين. إن العلاقة الثنائية في هذا المجال لم تعد متوازنة؛ فالمغرب يُستخدم كـ"كبش فداء" أو كـ"صمام أمان" للضغط الداخلي الأوروبي، مما يفرض عليه عبئاً إنسانياً وأمنياً مزدوجاً.
في الختام، فإن رقم 6,670 ليس مجرد رقم عابر، بل هو نتاج تلاقي عوامل متصاعدة: ضغط سياسي داخلي أوروبي يدفع الحكومات نحو التشدد، أطر قانونية جديدة تسهل عمليات الترحيل، ودوافع اقتصادية-اجتماعية عميقة في المغرب لا تجد حلولاً كافية. هذه الأرقام تضعنا أمام مفترق طرق: هل تستمر العلاقة الأوروبية-المغربية في الاعتماد على الحلول الأمنية القائمة على التضييق والترحيل، أم أن الوقت قد حان لتبني مقاربة أكثر شمولية تعالج الأسباب الجذرية للهجرة؟ يجب على أوروبا أن تدرك أن استراتيجية "الترحيل" وحدها لن تحل المشكلة؛ فكل مغربي يُرحل هو مرشح محتمل لمحاولة الهجرة مرة أخرى، وغالبًا ما يعود بطرق أكثر خطورة. إن الحاجة إلى شراكة حقيقية، لا شراكة أمنية سطحية، أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، شراكة تركز على الاستثمار المشترك في خلق الفرص بدلاً من مجرد بناء الجدران.