زواج القاصرات في المغرب: أرقام النيابة العامة تكشف فجوة تشريعية عميقة
في الآونة الأخيرة، عاد ملف زواج القاصرات في المغرب ليثير قلقاً متزايداً، لا سيما بعد أن كشفت أرقام صادرة عن رئاسة النيابة العامة عن ارتفاع مقلق في عدد طلبات الإذن بزواج القاصرين خلال العام 2024. هذه البيانات، التي تأتي ضمن تقرير حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، لم تقتصر على مجرد إحصائيات، بل شكلت في جوهرها إحراجاً مباشراً للتعاطي التشريعي الحالي مع هذه القضية الحساسة. إن الوصول إلى ما يقارب 17 ألف طلب إذن بزواج قاصر في عام واحد فقط، يطرح تساؤلات جدية حول فعالية النصوص القانونية الحالية ومدى قدرتها على حماية حقوق الأطفال، وتحديداً الفتيات، من تبعات زواج مبكر غالباً ما يحمل في طياته مستقبلاً غامضاً.
لا شك أن هذه الأرقام تضعنا أمام حقيقة مؤلمة: رغم الجهود المبذولة والتعديلات القانونية التي مرت بها مدونة الأسرة، ما زلنا نواجه ظاهرة زواج القاصرات بحدة. يبرز هذا الارتفاع الحاجة الملحة لإعادة تقييم شاملة للقانون، ليس فقط من حيث النص، بل أيضاً من حيث التطبيق والآليات المصاحبة. هل تكمن المشكلة في الثغرات القانونية نفسها، أم في كيفية تفسيرها وتطبيقها على أرض الواقع؟ هل القضاة والمجتمع المحلي على دراية كافية بالمخاطر المترتبة على زواج القاصرات، والأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي قد تدمر حياة فتيات لم يبلغن سن الرشد بعد؟ إن مجرد وجود طلبات للإذن بزواج القاصر يشير إلى أن هناك ظروفاً مجتمعية واقتصادية واجتماعية تدفع باتجاه هذا النوع من الزواج، وأن النظام القانوني لا يزال يسمح بنوع من المرونة التي قد تُستغل بشكل سلبي.
من وجهة نظري، فإن الإحراج الذي تشعر به الجهات التشريعية ليس مجرد رد فعل على الأرقام، بل هو اعتراف ضمني بفشل الاستراتيجيات الحالية في احتواء هذه الظاهرة. يجب أن نتجاوز مجرد تسجيل الأرقام إلى تحليل الأسباب الجذرية. هل يتعلق الأمر بالفقر، أم بالضغوط الاجتماعية، أم بالوعي المتدني بمفاهيم الزواج ومسؤولياته؟ إن تبرير طلبات الإذن بزواج القاصرات غالباً ما يستند إلى ظروف استثنائية، ولكن هذه الظروف الاستثنائية تبدو أنها أصبحت هي القاعدة. هذا يعني أن المجتمع بحاجة ماسة إلى حملات توعية أوسع وأعمق، لا تستهدف الأفراد فحسب، بل تستهدف أيضاً المؤسسات والمجتمعات المحلية، لتعزيز مفهوم أن الطفولة فترة للاكتمال والتعليم والنمو، وليست مرحلة يمكن تجاوزها بالزواج. كما يجب تعزيز دور المرشدين الاجتماعيين والأخصائيين النفسيين في معالجة الأسباب الكامنة وراء هذه الطلبات، وتقديم الدعم اللازم للأسر.
إن النقاش الحقوقي يجب أن ينتقل إلى مرحلة أكثر فعالية، تتمثل في اقتراح حلول تشريعية عملية ومجدية. ربما نحتاج إلى رفع السن القانوني للزواج بشكل صارم، مع سد جميع الثغرات التي تسمح بالتحايل. بالإضافة إلى ذلك، يجب تعزيز دور آليات المراقبة والتتبع للتأكد من أن أي إذن يصدر بزواج قاصر، في حالات نادرة جداً، يتم تحت رقابة مشددة ويضمن مصلحة القاصر الفضلى. يجب أن يكون هناك عقوبات رادعة للممارسات التي تخالف القانون أو تتلاعب به. إن المسألة لا تتعلق فقط بحقوق الفتاة، بل تتعلق ببناء مجتمع سليم قادر على توفير بيئة آمنة وصحية لجميع أفراده، خاصة الأطفال الذين هم بناة المستقبل. يتطلب الأمر تضافر جهود الجميع: المشرعين، والقضاة، والمجتمع المدني، والأسرة، والمدرسة، ووسائل الإعلام، لخلق جبهة موحدة ضد هذه الظاهرة.
ختاماً، فإن أرقام النيابة العامة ليست مجرد أرقام، بل هي صرخات صامتة تتطلب استجابة فورية وجادة. إن إحراج المؤسسات التشريعية يجب أن يتحول إلى دافع قوي لإعادة النظر في القوانين وإصلاحها، وتعزيز آليات الحماية، وتكثيف الجهود التوعوية. زواج القاصرات جريمة بحق الطفولة والمستقبل، ويجب على المغرب، كدولة ملتزمة بحقوق الإنسان، أن يتخذ خطوات حاسمة لتطويق هذه الظاهرة والتخلص منها نهائياً، لضمان أن كل طفل، فتى وفتاة، يحصل على حقه في طفولة آمنة ومستقبل مشرق.