صواريخ في الظلال: ماذا يعني إعلان سوريا مصادرة صواريخ سام-7؟akhbar-sa3a
في خضم المشهد السوري المعقد، حيث تتشابك خيوط الحرب الأهلية والتدخلات الإقليمية، تظل قضية تهريب الأسلحة جزءًا لا يتجزأ من الديناميكية الأمنية. وبينما يركز العالم على التطورات السياسية والتحركات العسكرية الكبرى، تبرز بين الحين والآخر أحداث صغيرة تضيء على واقع أكبر بكثير. الإعلان الأخير الصادر عن وزارة الداخلية السورية بشأن مصادرة صواريخ أرض-جو من نوع 'سام-7' (SAM-7) في مدينة البوكمال الشرقية، يحمل في طياته أكثر من مجرد خبر أمني روتيني. إنها لمحة عابرة في قلب سوق سلاح نشط، يكشف عن سوريا كقاعدة خلفية لشبكات تهريب دولية، ويطرح أسئلة جوهرية حول الجهات المستفيدة والمخاطر المترتبة على ذلك. هذه الصواريخ، التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة، لا تزال تشكل تهديدًا كبيرًا في أيدي الفاعلين من غير الدول، وتظل مثالًا حيًا على كيفية تحول ساحات الصراع إلى مصادر لانتشار الأسلحة الفتاكة.
إن صواريخ سام-7، المعروفة تقنيًا باسم 'ستريلا-2' (Strela-2)، تمثل مفارقة تاريخية في عالم الأسلحة. على الرغم من كونها تكنولوجيا قديمة تعود إلى ستينيات القرن الماضي، إلا أنها لا تزال تتمتع بفعالية مميتة في حروب العصابات والصراعات غير المتكافئة. نظام الدفاع الجوي المحمول على الكتف (MANPADS) هذا، يتميز بسهولة التشغيل، وإمكانية إخفائه، وقدرته على استهداف الطائرات المروحية والطائرات المقاتلة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة. بالنسبة للجماعات المسلحة التي تفتقر إلى سلاح جوي، يعد هذا النوع من الصواريخ بمثابة 'معدل للقوة' (Force Multiplier)، حيث يتيح لها ضرب خصومها في نقطة ضعفهم الجوية. في سياق الصراع السوري، حيث شهدنا استخدامًا واسعًا لهذه الأسلحة من قبل مختلف الفصائل ضد الطائرات الحكومية والروسية، فإن استمرار وجودها وتداولها في السوق السوداء يشكل خطرًا لا يمكن تجاهله. إنها تذكرة بأن التكنولوجيا القديمة لا تفقد خطورتها طالما بقيت هناك أهداف ضعيفة أمامها. كما أن مصادرة هذه الصواريخ تشير إلى أن سوريا، بعد سنوات من الحرب، أصبحت مخزنًا ضخمًا لهذه الأسلحة، مما يعزز فكرة تحولها من مستورد للأسلحة إلى مصدر لها.
يعد الموقع الجغرافي لمدينة البوكمال، حيث تمت المصادرة، عنصرًا حاسمًا في فهم ديناميكية التهريب. تقع البوكمال على نهر الفرات مباشرة على الحدود السورية-العراقية، مما يجعلها نقطة عبور استراتيجية للتهريب العابر للحدود. هذه المنطقة تعتبر معقلًا تاريخيًا لشبكات التهريب، وشهدت سيطرة تنظيم 'داعش' عليها لفترة طويلة، قبل أن تستعيدها القوات الحكومية والميليشيات المتحالفة مع إيران. إن السيطرة على البوكمال ليست مجرد مسألة أمنية؛ بل هي مسألة اقتصادية وجيوسياسية. تُعرف هذه المنطقة بأنها جزء من 'الجسر البري' الذي تستخدمه إيران لنقل الأسلحة واللوجستيات إلى الميليشيات المتحالفة معها في سوريا ولبنان. لذلك، فإن أي عملية مصادرة في هذا الموقع تثير تساؤلات حول طبيعة الشبكة التي كانت تنقل هذه الصواريخ. هل كانت عملية التهريب هذه تنفذها شبكات إجرامية مستقلة تسعى للربح، أم أنها جزء من تحركات أوسع نطاقًا بين فصائل متحالفة أو متنافسة على النفوذ في المنطقة؟ احتمالية أن تكون الصواريخ موجهة إلى مناطق صراع أخرى، مثل العراق أو اليمن، لا يمكن استبعادها، مما يوضح أن الأمن السوري مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن الإقليمي والدولي.
التحليل الجيوسياسي لهذه العملية يجب أن يأخذ في الاعتبار الدوافع وراء إعلان الحكومة السورية عن المصادرة. غالبًا ما تعمل مثل هذه الإعلانات كأداة سياسية. من ناحية، تسعى الحكومة لإظهار سيطرتها الأمنية وقدرتها على مكافحة التهريب في مناطق كانت تعتبر في السابق خارج سيطرتها الكاملة. هذا يعزز رواية الدولة بأنها تستعيد زمام الأمور وتستقر، وهي رسالة مهمة للدول الأخرى في المنطقة. من ناحية أخرى، فإن الإشارة إلى أن الأسلحة كانت في طريقها 'للتهريب خارج البلاد' تحول اللوم عن الحكومة وتوجهه نحو جهات خارجية تسعى لزعزعة الاستقرار. ومع ذلك، لا يمكن إغفال التنافس الداخلي بين مختلف القوى الأمنية والعسكرية داخل سوريا. قد تكون هذه المصادرة نتيجة صراع على النفوذ بين الأجهزة الأمنية الحكومية والميليشيات المدعومة إقليميًا والتي تسيطر على طرق التهريب. في هذه الحالة، يصبح الإعلان عن المصادرة بمثابة رسالة موجهة للداخل قبل أن تكون للخارج، تؤكد فيها سلطة دمشق على هذه الطرق الحيوية، حتى لو كانت الأسلحة في الأساس قد دخلت البلاد في وقت سابق. إن إعلان المصادرة هو تصريح سياسي يعكس تعقيدات السيطرة على الأراضي السورية المتنازع عليها.
في الختام، فإن حادثة مصادرة صواريخ سام-7 في البوكمال ليست مجرد خبر عابر، بل هي انعكاس لمشهد أمني معقد وخطير. إنها تذكرة بأن سوريا، بعد سنوات من الحرب، أصبحت مركزًا لانتشار الأسلحة الخفيفة والمتوسطة. هذه الأسلحة، التي كان يُعتقد أنها انتهت صلاحيتها، تجد حياة جديدة في الصراعات الإقليمية والدولية. استمرار وجود مثل هذه الأسلحة المحمولة على الكتف يمثل تهديدًا مباشرًا ليس فقط على أمن المنطقة، بل على الطيران التجاري والعسكري في مناطق أخرى من العالم. إنها تشير إلى فشل الجهود الدولية في احتواء الفوضى الأمنية التي نشأت عن الحرب. يجب على المجتمع الدولي أن يدرك أن استقرار سوريا ليس مجرد قضية إنسانية أو سياسية، بل هو قضية تتعلق بالسلامة العالمية. طالما بقيت مناطق الحدود السورية-العراقية متاحة لشبكات التهريب، فإن خطر انتشار الأسلحة الفتاكة سيظل قائمًا. هذه العملية الأخيرة يجب أن تكون بمثابة جرس إنذار بضرورة معالجة هذه الثغرات الأمنية بشكل أعمق، لضمان ألا تتحول سوريا إلى مصدر دائم لانتشار أسلحة الدمار الصغيرة في جميع أنحاء العالم.