رحيل قامة علمية: تعازي ملكية للأسرة وللعالم الطبيakhbar-sa3a
في مشهد يعكس عمق التقدير والاحترام الذي يحظى به رجالات العلم والفضيلة في مملكتنا، تلقينا نبأ رحيل البروفيسور عبد القادر التونسي، الشخصية العلمية البارزة التي تركت بصمة واضحة في ميدانها. لم يأتِ هذا المصاب الجلل إلا مصحوبًا برسالة تعزية ومواساة من المقام السامي، جلالة الملك محمد السادس، موجهة إلى أسرة الفقيد وأحبائه. إن هذه اللفتة الملكية ليست مجرد بروتوكول، بل هي تجسيد لقيم الوفاء والتقدير التي توليها القيادة الرشيدة لمن ساهموا في بناء صرح الوطن ورفع رايته في شتى المجالات. البروفيسور التونسي، ومن خلال ما عرف عنه من علم وغيرة، كان مثالًا للعطاء الذي لا ينضب، وقد انعكس هذا التقدير في كلمات الملك المعبرة التي حملت مشاعر الحزن العميق والتضامن مع الأسرة في هذا الظرف العصيب.
إن الحديث عن البروفيسور عبد القادر التونسي يتجاوز مجرد كونه اسمًا علميًا لامعًا، بل يمثل قصة كفاح وعطاء وإخلاص. لقد أفنى عمره في خدمة المعرفة، ونذر وقته وجهده لتقديم الإضافة العلمية والمساهمة في رفع مستوى الأداء في القطاع الذي شغله. ونحن إذ نستقبل خبر رحيله، لا يسعنا إلا أن نستحضر المسيرة الحافلة بالإنجازات التي خطها بجد واجتهاد. لقد كان نموذجًا للعالم الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين العمق العلمي والقدرة على التطبيق، مما جعله قدوة حسنة للأجيال الصاعدة من الباحثين والأطباء. إن فقدانه يمثل خسارة مؤلمة ليس فقط لعائلته الصغيرة، بل للمجتمع الطبي والعلمي بأسره، وللوطن الذي ينتظر دائمًا من أبنائه المتفوقين أن يواصلوا مسيرة التنمية والتقدم.
من وجهة نظري، فإن هذه البرقية الملكية تحمل معاني أعمق من مجرد واجب التعزية. إنها تأكيد على الدور المحوري للعلم والمتعلمين في بناء المجتمعات ورقيها. في عالم يتسارع فيه وتيرة التغيير وتتعقد فيه التحديات، يصبح الاستثمار في العقول وتكريم أهل العلم ضرورة لا رفاهية. البروفيسور التونسي، وإن رحل جسدًا، فإن إرثه العلمي والفكري سيظل خالدًا، يستلهم منه اللاحقون. إن استمرار مسيرة العلم يتطلب منا جميعًا، أفرادًا ومؤسسات، تبني ثقافة التقدير والاحتفاء بمن يساهمون في تطوير مجالاتهم، وتحفيز الأجيال الجديدة على السير على نفس النهج، مسلحين بالعلم والمعرفة والإيمان بمستقبل أفضل.
لا تقتصر مشاعر العزاء على الأسرة الصغيرة أو الجسم الطبي فحسب، بل تمتد لتشمل كل من عرف البروفيسور التونسي، سواء عن قرب أو عن بعد، ممن تأثروا بعلمه وأخلاقه. لقد كان وجوده في الساحة العلمية مصدر إلهام للكثيرين، وبذل جهودًا كبيرة في نقل خبراته وتجاربه، مما يجعله يترك وراءه جيلًا من المتأثرين بمنهجه وعطائه. إن العبارات الملكية جاءت لتؤكد على قيمة هذا العطاء، ولتؤكد أن الوطن لا ينسى أبناءه البررة الذين أخلصوا له في مسيرتهم. إن هذه اللفتة تذكرنا بأن التقدير هو وقود الإنجاز، وأن الاعتراف بالجميل هو أساس بناء مجتمع متماسك وقوي، يقدر أفراده ويسعى جاهدًا لتكريمهم.
في الختام، نتضرع إلى المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد البروفيسور عبد القادر التونسي بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. إن رحيل قامة علمية بحجم البروفيسور التونسي هو بلا شك خسارة كبيرة، لكنه يذكرنا أيضًا بأهمية استمرارية مسيرة العلم والعطاء. فلنحتذِ بما قدمه، ولنعمل جاهدين على بناء جيل من العلماء والمفكرين القادرين على حمل مشعل المعرفة، والمساهمة في رفعة وطننا، تأكيدًا على أن الاستثمار في العقول هو أثمن استثمار يمكن أن تقوم به أمة تسعى إلى التقدم والازدهار. تغمد الله الفقيد بواسع رحمته وجعل ما قدمه في ميزان حسناته.