الفيضانات في المغرب: هل يختبئ الرجل القوي خلف المسؤول المنتخب؟akhbar-sa3a
تُعدّ الفيضانات المدمرة التي ضربت مدنًا مغربية كآسفي وطنجة مؤخرًا، أكثر من مجرد كارثة طبيعية. إنها بمثابة مرآة تعكس عمق الخلل الهيكلي في منظومة الحكامة المحلية، وتكشف عن اختلال واضح في توزيع المسؤوليات بين الأجسام المنتخبة والسلطات المحلية. اللافت في النقاش العام الذي أعقب هذه المأساة، هو التركيز شبه الحصري على قصور المجالس المنتخبة، وتوجيه أصابع الاتهام نحوها، بينما يظل دور السلطات المحلية، التي تمتلك صلاحيات واسعة وصلاحيات ضخمة، في طي الكتمان، وكأنها طرف محايد لا علاقة له بتخطيط المدن وتنفيذ مشاريع البنية التحتية. هذا التوجه الأحادي في النقد يثير تساؤلات جدية حول مدى وعينا بتعقيدات الإدارة المحلية وتداخل الأدوار فيها.
إن تحميل المسؤولية بالكامل على عاتق المجالس المنتخبة، التي غالباً ما تكون حديثة العهد في تولي مهامها أو تفتقر إلى الخبرة الكافية في مجالات معقدة كالتخطيط العمراني وإدارة الكوارث، هو تبسيط مخل بالحقيقة. فالحقيقة أن هذه المجالس تعمل ضمن إطار تنظيمي وقانوني حددته الدولة، وتعتمد في تنفيذ قراراتها ومشاريعها على موافقات وتراخيص من جهات إدارية عليا، غالبًا ما تمثلها السلطات المحلية. هذه السلطات، التي تمتلك أدوات رقابية وتنفيذية قوية، تلعب دورًا حاسمًا في تقييم المشاريع، وإصدار التراخيص، وضمان مطابقتها للمواصفات الفنية ومعايير السلامة. فكيف يمكن لمجلس منتخب أن يتجاوز هذه الصلاحيات الضخمة للسلطة المحلية، وأن ينفذ مشاريع مخالفة للقوانين أو تفتقر إلى الجدوى الفنية، دون أن تكون للسلطة المحلية بصمة واضحة في الموافقة أو الرفض؟
من وجهة نظري، فإن ما كشفته الفيضانات هو آلية عمل معقدة حيث تتداخل المسؤوليات وتتضارب أحيانًا. السلطات المحلية، بما لها من استمرارية وإرث تاريخي، هي المسؤولة عن وضع الخطط الشاملة لتنمية المدن، بما في ذلك إعداد خرائط المخاطر، وتحديد مناطق البناء الآمنة، وإدارة شبكات الصرف الصحي والمياه. أما المجالس المنتخبة، فدورها يأتي لاحقًا، كأداة تنفيذية لتطلعات المواطنين واحتياجاتهم، وفي إطار الخطط العامة التي وضعتها السلطات. وبالتالي، فإن أي تقصير في البنية التحتية، أو أي بناء عشوائي في مناطق معرضة للخطر، لا يمكن أن يُعزى فقط إلى المنتخب الذي قد يكون حديثًا في المنصب، بل يجب أن يتضمن تقييمًا دقيقًا لدور السلطة المحلية في الرقابة والتخطيط والمتابعة. إن غياب هذه السلطة عن دائرة الضوء يشير إلى محاولة لتجنب المساءلة الحقيقية.
إننا بحاجة ماسة إلى إعادة تعريف واضح لدوار السلطات المحلية والمنتخبة في المغرب، وخاصة فيما يتعلق بالتدبير الحضري وإدارة الأزمات. يجب أن تكون هناك مساءلة مزدوجة، حيث يتحمل كل طرف مسؤولية ما أوكل إليه من مهام. فالمنتخب مسؤول عن التعبير عن نبض المواطنين والسعي لتحقيق تطلعاتهم ضمن الإمكانيات المتاحة والإطار القانوني، بينما السلطة المحلية مسؤولة عن ضمان التطبيق السليم للقوانين، ووضع الخطط الاستراتيجية، ومراقبة التنفيذ، وتوفير الدعم الفني والإداري اللازم. إن أي فشل في هذا النظام المتشابك، هو فشل للنظام بأكمله، ولا يجب تحميله لطرف واحد دون الآخر. هذه الكوارث هي فرصة لإصلاح هذا الخلل، لا لتكريسه.
ختامًا، فإن الفيضانات الأخيرة يجب أن تكون بمثابة جرس إنذار يدق في آذان صانعي القرار. لا يكفي توجيه اللوم نحو المجالس المنتخبة. علينا أن ننظر بعمق إلى بنية السلطة المحلية، وأن نطالب بشفافية أكبر في قرارات التخطيط والبناء، وأن نضمن أن السلطات المحلية، بامتلاكها للصلاحيات الهائلة، تلعب دورها بمسؤولية وفعالية، وأن لا تختبئ خلف ستار 'المسؤول المنتخب' لتتهرب من مسؤولياتها التاريخية. إن بناء مدن آمنة ومستدامة يتطلب تضافر الجهود، وتوزيعًا عادلًا للمسؤوليات، ومحاسبة حقيقية لجميع الأطراف المعنية.